‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات ومواقف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شخصيات ومواقف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 يوليو 2017

امرأة من الزمن الجميل صبح الأندلسية . أ.د. سامية جباري

الأندلس ذلك الجمال الذي يسكن روحي، حينما أذكرها ترتسم بين ناظري سيرة عطرة لازالت محصورة بين دفات مكتبات قديمة او بين صفحات كتب بالية، الأندلس وجود وكيان، حب وامتلاك، جمال وجلال، حينما سرت بين دروبها تمثلت أهل العلم والفكر والدين والأدب، وارتقت روحي الى مجالسة خيرة نساء الحضارة ، نظرت الى صبح الأندلسية فوجدتها من جارية بشكنجية الى سلطانة محظية، بيدها مفاتيح مملكة ازلية لا ترد لها كلمة فأوامرها مقضية.
لم تكن سوى جارية ذات صوت عذب رخيم ودلال وحسن فريد، سلبت لب الخليفة الحكم من اول نظرة فصارت مرضية وام ولده في اخر زمان الدولة الاموية.
أورورا ... ترجمتها صبح ، فجر ،او نور .. وكلها معان ذات دلالة إشعاع وإضاءة ، سبت بجمالها عيون اهل المنطقة الاندلسية، من قصصها انها أحبت فتى طموحا ذي همة علية ، قربته واستوزرته ليكون عينها على ولدها وملكها  وقدمته دون ان تقع في دنية.
رسمت بمشاعرها الدفينة  لوحة غزلية مع ابن عامر محور قصتها قلبية فارتقت به الى ملك بلا نزاع بل بحنكة وسياسة مقضية.
خلد التاريخ جلال امرأة شقراء ذات جمال ودلال بشكنجية  تدعى أورورا أو صبح الأندلسية.

الجمعة، 7 نوفمبر 2014

ماري وجبران..د/سامية جباري














ماري وجبران؟؟؟؟
يقولون وراء كل رجل عظيم امرأة؟؟؟
تتردد هذه المقولة بيننا كثيرا كلما اكتشفنا عظمة بعض الرجال.
الذي استوقفني وشد انتباهي امراة ليست من زماننا قد اصنّفها في اطار العظمة لانها كانت تبعث الروح والامل والدعم لرجل احبته رغم فارق السن بينهما. فكانا بينهما الرباط الروحي الذي لم ينقطع رغم ان الحب بينهما لم يكتمل ولم يتوّج بالزواج، قصة اخرى من قصص الحب المستحيل .
إنها ماري هاسكل.. المراة التي احبت خليل جبران وأمدته بحبها وعواطفها وقد أنصفتها الكتب والروايات المتواترة أنها المعين والمرشد والموجه لكل اعماله بل كانت كل كتاباته لا تنشر حتى تمر عليها بالملاحظة والتصحيح والاضافة؟؟ وكانت تسدل له الخدمات بطيب نفس وفي كل المجالات فكانت السند القوي يستمد من روحها كتاباته وقد اعترف هو بذلك حين أقر انه اصبح فنانا بفضلها.. .
لا تمانع ان تسدل له النصيحة ان وجدت لذلك ضرورة وان تدبّر له اموره وتسانده روحيا ومعنويا وتدفعه نحو الارتقاء لدرجة انه قال لها: أنا أؤمن بك للحد الذي أؤمن فيه بنفسي، ولا اريد ان افعل شيئا لوحدي يستحيل تماما ان اعمل شيئا بدونك ..
تميزت برجاحة عقل وسعة صدر فقد علمت انه احب اثنى عشرة امراة ولم تكن تمانع حبه لهن لانه اعتبرها المراة الحبيبة والصديقة والخليلة تفردت مكانتها عنده بالقرب والوصل الذي يستقر في النفس ولا يزول..
ويعترف انه كان كالطفل بين ذراعيها في حنانها لمس حنان والدته وعطائها وسخائها ولذة القرب من دفئها.. فزاد تعلقه بها .
كانت بينهما رسائل ومكاتبات كلها في الشوق والحب والوفاء والصدق والاستمرار...
انها ماري وجبران قصة اخرى من قصص الحب الذي لم يكتمل.. وهي صورة ناطقة لكثير من قصص اخرى نعيشها .. فياترى هل الوفاء سينتصر؟؟؟ وهل نجد روح ماري هنا؟؟ وجبران ايضا؟؟
مما قاله عنها:
أخذتك أخذ العز رقة ماري **فهويتها والصب كيف يماري
حوراء ناصعة كأن بياضها **نسج من اللماح في النوار
ببهائها انفردت ويحفل إن بدت **منهاجها بمواكب الأنوار
ولها قوام إن تأود خاطرا **أزرى بتأويد القنا الخطار
عجب عجاب للنفوس ذكاؤها **متلألئا في لحظها السحار
في أي مصباح كزاهر وجهها **تتنور الألباب ضوء منار
إن حاضرت في مجمع أو ناظرت **فالحسن في الأسماع والأبصار
يا مريم اعتزي بفضل حزته **جم الصنوف منوع الآثار.
د/سامية جباري

الجمعة، 19 سبتمبر 2014

ولاّدة بنت المستكفي.د/سامية جباري

 هي " ولاّدة بنت المستكفي باللّه محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الناصر
لدين اللّه "(1) ، وهي من البيت الأموي بالغرب الإسلامي ، "وابنة الخليفة محمد بن عبد الرحمن الناصر
الملّقب بالمستكفي ، ولقد تولى الخلافة سنة 414 ﻫ "(2) ، ويذكر أنّها كانت أميرة " حسناء فاتنة ساحرة ،
جذابة ، مرحة،خفيفة الظلّ ، حلوة الروح ناقدة وشاعرة ، حصيفة ذكية ، بصيرة بالأساليب الشعرية ، متمكنة من الأسرار الفريدة"(3) .
      إضافة إلى ذلك قيل أنها " حسنة المحاضرة مشكورة المذاكرة ، وكانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف ، كما كانت تناظر الشعراء وتساجل الأدباء وتفوق البلغاء ، وقيل عنها أنّها لم تتزوج قط وماتت سنة 484ﻫ "(4) .
 يتفق ابن عذارى مع ابن بسام في وصف المستكفي خلقيا ، ويضيف في وصفه الخارجي فيقول " .. أشقر أزرق أشم مدوّر الوجه و اللحية ، ضخم الوجه والجسم ، كبير البطن وصاحب أكل وشرب وجماع وتخلف "(5) .
   وقد خرجت إبنته ولاّدة على نهاية في الأدب و الظرف ، و حسن منظر و مخبر ، وحلاوة مورد ومصدر حتى قيل أنّ " مجلسها بقرطبة لأحرار المصر وفناؤه ملعبا لجياد النظم والنثر(6) .
و كانت ولادة قد أخذت قسطا وافرا من التعليم قبل وفاة أبيها ، حيث أحضر لها العلماء و المثقفين ودأب على تربيتها ، إلا أنّه قيل عنها "ورثت عنه وعن امّها الشريرة ميلها إلى المرح و التحرر من قيود المجتمع والجرأة على الفساد"(7) .
   ويقول ابن بشكوال في كتابه الصلّة " كانت أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر، وكانت تناظر 
الشعراء وتساجل الأدباء ، وعمّرت طويلا ولم تتزوج قط "(1) ، ولولادة مكانة عالية بين شعراء الأندلس وشاعراتها ، وهي ذات شخصية فذّة جمعت بين عراقة النسب الأموي والذّكاء العربي المفرط ، والجمال الساحر وسعة في الإطلاع ، وحلاوة في البيان وكلّ هذّا في " جو القصور البهيجة وبين الجواري و الحواشي "(2) ، فتحت أبواب قصرها للأدباء و الشعراء ورجال الفكر، فكان صالونا أدبيا يتهافت عليه الشعراء والكتّاب ، وهكذا كان منتدى ولاّدة تجمع فيه الجمال و الأدب و الذوق ، وأنيق الشعر و رفيع الغناء وحسن المعشر ورواء الحديث وحلاوة الرد وحرارة النكتة وقد عدّها الشعراء من كبيرات ربّات المجالس الأدبية"(3) .
   ويقول ابن سعيد : "إنّها بالغرب كعلية ( أخت الرشيد ) في الشرق ، إلاّ أنّ هذه أي ولادة تزيد بمزية الحسن الفائق ، وأمّا الأدب والشعر والنّادرة وخفة الروح ، فلم تكن تقصر عنها ، وكان لها صنعة في الغناء وكان مجلسها يغشاه شعراء قرطبة "(4) ، وهذا ما يؤكد قدرتها على الشعر و احتلالها المكانة المرموقة بين شعراء عصرها ويذكر أنّ " ولاّدة وجدت في جوها الحافل متنفسا ينسيها الفواجع التي تجرّعتها و الأرزاء التي أذاقتها الأمرين ، وحاولت أن تتغافل عن كلّ ذلك بما تقوم به من مقابلات في قصرها لرواد الثقافة و ما تقتضيه معهم من الساعات الطوال في المطارحات الأدبية "(5) .
    ومهما يكن من أمر فقد استطاعت شاعرتنا أن تفتن شعراء عصرها بجمالها وسحرها و ذكائها وحلاوة عشرتها، فاجتمع في ندوتها من معاصريها شعراء وادباء، ووزراء من الرجال و النساء وكانت تستقبل الجميع ببشاشة ولطف ، فيعجب بها الرواد ويتمنى كلّ واحد منهم أن تكون له وحده ، وقد أشارت إلى ذلك حين قالت :
"إنّي وإن نظر الأنام لبهجتي                             كظباء مكة صيدهن حرام.

يحسبن من لين الكلام فواحشا                             ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام "(1) .
ردّ عليها أحد روادها بقول بشار :
لا يؤنسك من مخدرة              قول تغلّطه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة             و الصعب يركب بعدما جمحا "(2) .
والملاحظ أنّ هناك تناقض واضح عند ابن بسام حين يقول " أنّها كانت تتمتع بطهارة أثواب"(3) ، ثمّ إنّ تحرر ولاّدة واقع قد أكّده " أبو عبد الله بن مكي شيخ ابن بشكوال "(4)فيما بعد حين قال : " لم يكن لها تصاون يطابق شرفها"(5) ، وهو حكم أخلاقي يرجع إلى التقييم المتناقل بين الناس ، ووصفوها بعدم تخلقها ، كما ينبغي أن تتحلى به فتاة مثلها في ثقافتها ووعيها ، ولا تعرف حدودا تقف عندها لحريتها الشخصية ، ولو كانت تتوفر على نصيب من العفاف ، لما تجرأ صاحبها ابن زيدون على قول كلّ ما جرى له معها في ليلة عذبة في قطعة نثرية أثبتها ابن بسام الذي وصفها بطهارة الأثواب ، ونص القطعة
يبتدئ من قوله : " كنت في ايام الشباب وغمرة النصاب هائما بغادة تدعى ولاّدة "(6) ، إلى أن يقول في إباحية سافرة " وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور ونقطف رمان الصدور " (7).
وقد روى كثيرون من مؤرخي عصرها أنها كتبت بالذهب على عاتقها الأيمن والأيسر مايلي :
"أنا و الله اصلح للمعالي                         وأمشي مشيتي وأتيه تيها
أمكن عاشقي من صحن خدي                  وأعطي قبلتي من يشتهيها(8) .
فبالرغم من هذه الإباحية اللامتناهية إلا أننا نجد بعض المؤرخين يصفونها بالعفاف ، ففي تمام المتون يقول
 الصفدي عن ولاّدة " وكانت مشهورة بالصيانة و العفاف " (1) ، وأيضا المقري في نفحه علّق بنفس قول الصفدي عن ولاّدة أنّها " مشهورة بالصيانة و العفاف "(2)، وليس بهذا الأمر غير ما قاله عنها ابن سعيد عندما يقرر بعلاقتها في قوله : " فعلقت بها مهجة ولزمت تأديبها، و أنشدها مايلي :
ولاّدة قد صرت ولاّدة                         من دون بعل فضج الكاتم
حكت لنا مريم لكنه                           نخلة هذي ذكر قائم"(3) .
 كما لدينا آراء أخرى بشأن ولاّدة والذي بها تبين لنا أنها كانت مشهورة جدا ، حتى أنّ المستشرق الفرنسي هنري بيرس قال يها : " إنّ العلاقة التي كانت تربط ولادة بمهجة والتي ليس فيها شك تلك العلاقة تبين بأنها كانت تسخر من التقاليد "(4) .
     ما نستطيع قوله هو أنّ في شعر ولاّدة هناك ما ترضاه الأذن و القلب ويتلذذه ، فهي تعطينا صورة رائعة وواضحة عن حرية المرأة في الأندلس ، لكن رغم ذلك تبقى أنّها كانت تتصف بصفات سيئة لكثرة محاورتها للرجال ، إذ يمكن أن تكون أكثر الشاعرات هجاء.

أما قصتها مع ابن زيدون فنرجئها الى دراسة اخرى بحول الله..

نزهون بنت القلاعي الغرناطية. د/سامية جباري

 لقد عرفت الشاعرة نزهون الغرناطية بهذا الإسم نسبة إلى غرناطة التي عاشت يها ، إلا أنّ اسمها الكامل هو نزهون بنت القلاعي الغرناطية ، وهي من مواليد القرن الخامس الهجري .
 وهناك من يسميها كذلك "نزهون القلاعية نسبة إلى القلعة وهي البلدة التي وفد منها أهلها ، ولفظ نزهون لفظ أندلسي خالص فقد عمد الأندلسيون إلى التسمية على هذا الوزن لأبنائهم من ذكور أو إناث فسموا نزهون بين النساء وسموا زيدون وحمدون وعبدون بين الرجال "(1) .
  أمّا فيما يخص صفاتها فالأغلبية يشهد لها بأنها " شاعرة مرحة حلوة الحديث طيبة المحاضرة ، ذات طبع ندي معطاء ونفس شفافة ، عرفت بسرعة الجواب وحضور البديهة واستظهار النوادر وضرب الأمثال مع جمال في الصورة ، تسعى إلى مجالس الوزراء فتعبق جوها وتثير فيه نشوة مسكرة"(2)، مما يدل على أنها شاعرة لا تأبه لما يقال فيها ، "وكانت تراسل الرجال شعرا وتساجلهم نظما وتهاجيهم قولا فاحشا في نطاق ما يسمى بالأدب المكشوف ، تسمع شعرا يقال فيها يخدش حياء الحرائر وينال من شاعر العفة عندهن" (3)، وكانت تأخذ وترد مع الشعراء من دون خجل وتستعمل ألفاظا غير لائقة . ولقد قال عنها ابن سعيد أنّها " شاعرة ماجنة كثيرة النوادر "(4) ، ويضيف المسهب بأنها تمتاز : بخفة الروح والانصياع الزائد والحلاوة ، وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الأمثال مع جمال فائق وحسن رائق"(5) ، ويروى عنها كذلك أنها ذات يوم وهي تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى دخل عليها  أبو بكر" الكتندي" (1) قال مخاطبا الشاعر المخزومي : "لو كنت تبصر من تجالسه"(2) وصمت المخزومي برهة يفكر، ولكنه لم يجز جوابا ، وبسرعة فائقة أجابت نزهون :
" لغدوت أخرس من خلائله
البدر يطلع من أزرّته                       والغصن يمرح في غلائله"(3) .
ولرقة طبعها كما ذكرنا كلف أصدقاؤها وعرفوها بمحادثتها ومراسلتها ، فكان أبو بكر بن سعيد الوزير من الذين شغفوا بها ، وقد كتب لها يوما يقول :
" يامن له ألف خلّ             من عاشق و صديق
       أراك خلّيت للنــا            س منزلا في الطريق"(4) .
فردت عليه مذكرة إياه أنّ مكانته هي الأعلى لأنه مقدّم لديها على الكل بقولها :
"حللت أبا بكر محلا منعته                 سواك ،وهل غير الحبيب له صدري
وإن كان لي كم من حبيب فإنما               يقدم أهل الحق حب أبي بكـــر"(5) .
ويروى أنّها ذات يوم كانت جالسة في دار الوزير أبي بكر بن سعيد في غرناطة عندما دخل الشاعر أبي بكر المخزومي الأعمى يقوده غلام صغير ، فلما استقر به المجلس ، وأفحمته روائح الندّ والعود والأزهار وهزّت عزفه الأوتار قال :
"دار السعيدي ذي أم دار رضوان؟                 ما تشتهي النفس فيها حاضر داني
سقت أباريقها للندّ سحب ندى                     تحدى برعد لأوتار وعيدان
والبرق من كل دنّ ساكب مطرا                   يحيا به ميت أفكار و أشجان

هذا النعيم الذي كنا نحدثـــه                   و لا سبيل له إلاّ بــآذان"(6) .

الأربعاء، 16 يوليو 2014

عائشة بنت أحمد القرطبي.د/سامية جباري



هي عائشة بنت أحد بن محمد بن قادم، قرطبية المنشأ، تأدبّت على عديد من العلماء حتى صارت عديدة زمانها، علمًا وأدبا وعدت من أشهر نساء عصرها، فهي عالمة أديبة شاعرة، فصيحة اللسان حسنة الخط قال عنها المقري نقلا عن ابن حيان وابن سعيد أنها:
"لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علمًا وفهما وأدبا وشعرا وفصاحة تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم  وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف" وقد توفيت بكرا لم تتزوج في حدود سنة 40هـ.
أمّا في مجال الشعر فقد كانت المرتحلة ارتجالا، وتنظمه قويا جزلا بسرعة بديهة وخاطر، فقد دخلت يومًا على المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ابن له فارتجلت قائلة:
 أراك الله فيه ما تريد    ولا برحت معاليه تزيد
فقد دلّت مخايلة على ما         تؤمله وطابعه السعيد
تشوقت الجياد له وهزّ الحسـ  ام هوى وأشرقت البنود
وكيف يخيب شبل قد نمتـه    إلى العلياء ضراغمة أسود
مشوف تراه بدرا في سمـاء     من العليا كوالبه الجنـود
فأنتم آل عامر خير آل           زكا الأبناء منكم والجدود
وليدكم لدى رأي كشيخ        وشيخكم لدى حرب ولين
إن المتمعن في هذه الأبيات سيجد حتما عبارات عذبة وألفاظا رائقة وصياغة جيدة، إنها أبيات قيلت ارتجالا، ومن وحي اللحظة إلا أنها تزخر بالمعاني المدحية التي يفتخر بها أي قائد أو أمير، فقد جعلت من المناسبة فرصة المدح، وأجادت حين جعلت وليد آل عامر ذو رأي سديد وفكر سليم وكأن في مشورته سداد وصلاح، ثم إن شيخهم كالشاب في حالة الحرب ذو بأس وقوة وإقدام، فأي تشبيه وأية مفارقة هذه.
وقد عرفت شاعرتنا بالحياء والاستقامة والمروءة والابتعاد عن كل ما يخدش كرامتها أو يمس كبرياءها، حتى لأنها عزفت عن مخالطة الرجال، وامتنعت عن الزواج.
إن تلك الحياة  الخصبة التي ينعم الناس في ظلها في قرطبة لم تؤثر في شاعرتنا ولم تنزع إلى اللهو العبث والشرب كباقي النساء، بل نرى فيها الإباء والعزة والكبرياء والترفع حتى أنها لم ترض بأن تتزوج من رجل غير كفء لها، فقد تقدم لخطبتها أحد الشعراء وكان ملحا عليها، فكتبت إليه:
أنا لبوة لكنني لا أرتضي    نفسي مناخا طول دهري من أحد
ولو أنني أختار ذلك لم أجب   كليا وكم غلقت سمعي عن أسد
فهي تصور له امتناعها عن خيرة الرجال حسبا ونسبا فكيف ترضى بمن دونهم، فزجرته بشدة وعنّفته لإلحاحه الذي أنقص من قدره في نظرها وصوره ذليلا وضيعا.
ولعل كبرياءها جعلها تبقى بكرا وتموت على هذه الحال ، فقد توفيت وتركت باعا من الكتب والمؤلفات كما زخرت المصادر بشعرها الارتجالي العذب الذي يخلو من التشدق والتزييف.

أبو المطرف بن عميرة الأندلسي.د/سامية جباري


هو أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن الحسين بن عميرة المخزومي، أصله من جزيرة شقر من أعمال بلنسية  ولد بها سنة 582هـ  ولا نكاد نعرف من حياة مترجمنا سوى أنه تتلمذ أولا في مسقط رأسه بلدة شقر على يد والده الذي كان من أعيان البلد وأهل العلم ، ثمّ أخذ عن جماعة من المشايخ من أمثال: أبي الحسن أحمد بن واجب القيسي أبي عمر أحمد بن عات الشاطبي "وأبي بكر عزيز بن خطاب الذي كان له الأثر الكبير في توجيه عقليته من العناية بالحديث والنظر في العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه والطب" .
كما يبين لنا ابن عبد الملك المناحي الثلاثة في الحياة العلمية لأبي المطرف، إذ أنه بدأ أولا بالحديث وروايته ثمّ النظر في العقليات وختمها ببروزه في الأدب وبراعته فيه حيث قال: "إنه كان أول طلبه العلم شديد العناية بشأن الرواية فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله ثمّ تفنن في العلوم ونظر في أصول الفقه ومال إلى الأداب فبرع فيها براعة عدّ بها من كبراء مجيدي النظم" .
وتذكر المصادر أن لشيخه أبي الربيع الكلاعي الفضل الأكبر في بلوغ ما بلغه من بسطة في العلم وتبحر في الأدب .
ثمّ انتقل أبو المطرف إلى بلنسية وشاطبة ودانية ومرسية وغيرها لطلب العلم ومجالسة العلماء. وبعد أن شبّ واكتمل نضجه الفكري رجع إلى بلنسية قصد الاستقرار.
والجدير بالذكر أن ابن عميرة نشأ في زمن كانت فيه الدولة الموحدية في أوج عظمتها، وقد وطد حكمها في جميع نواحي الأندلس وكانت أيام الناصر وابنه المنصور أعيادا ومواسم يقول في ذلك المراكشي:" ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادا وأعراسا ومواسم كثرة خصب وانتشار أمن ودرور أرزاق واتساع معايش لم ير أهل المغرب أياما قط مثلها" .
فتشوق لخدمة الأمراء ومداخلتهم حتى وصفه ابن عبد الملك أنه شديد التطارح على خدمة الرؤساء ، وهذا ما جعل حياته تتسم بالتقلب والاضطراب فهو حينا في الأندلس ثمّ رحل إلى المغرب وأخيرا استقر بإفريقيا متقلدا منصب الكتابة تارة ومنصب القضاء تارة أخرى.
ففي الأندلس تقلد منصبي الكتابة والقضاء في دار الإمارة مدة ثلاثين سنة (607هـ/637هـ).
كتب عن أمراء الموحدين وسادتهم في إشبيلية وبلنسية ومرسية، منهم السيد أبي عبد الله بن أبي حفص وعن خلفه الأمير زيان بن مردنيش، ثمّ عن القائمين بدعوتهم من بني هود وبين حطاب، بعدما شغل منصب القضاء في مرسية وشاطبة وأريولة .
وفي سنة 637هـ انتقل ابن عميرة إلى المغرب ويقول في ذلك ابن سعيد أنه كان له بها (بر العدوة) تميز وحظوة، ولا يزال ناجح المصادر والموارد ، فاستكتبه الخليفة الرشيد الموحدي بمراكش مدة يسيرة ثمّ صرفه عن الكتابة وولاه قضاء هيلانة ثمّ سلا.
ولما توفي الخليفة الرشيد سنة 640هـ أقره المرتضى على عمله ونقله من قضاء سلا ورباطها إلى قضاء مدينة مكناسة .
فبينما هو كذلك دخلت الدولة الموحدية عصرها الأخير، حيث كثرت الفتن وكثر الخارجون عن الحكم الموحدي من متنازعين وثائرين، وكان ابن عميرة من بين المشاركين في الثورة ضدهم حينما فقد الأمل فيهم، وفكر في أحقية الحفصيين في تونس بالملك منهم وأصبح يتطلع إلى آفاقهم في إفريقيا ، وبدأها بأول خطوة والتي تمثلت في كتابة بيعة باسم سكان مكناسة إلى أبي زكريا حاول من خلالها التقرب من الحفصيين بفصل مكناسة عن الحكم الموحدي وجعلها تابعة لهم.
إلا أن هذه الفتنة لم تدم فقد استرجع الموحدون مكناسة وأخضعوها لحكمهم فوجد ابن عميرة نفسه مضطرا لمغادرة المغرب والالتحاق بالحفصية، فتم له ذلك بعد وفاة المرتضى مباشرة، حيث خرج منها راكبا البحر متوجها نحو إفريقيا، فقدم بجاية واستوطن فيها مدة طويلة قرأ بها ودرس  وكان له بها إنتاج غزي  في النظم والنثر.
ثمّ توجه إلى تونس فمال أولا إلى صحبة الصالحين والزهاد برهة ، وبعدها جنح إلى خدمة الملوك، فنجحت بها وسائله، كما قال ابن الخطيب ، فتولى قضاء قابس والأريس ولبث على هذه الحال إلى أن استدعاه الخليفة إلى حضرته وشاركه مجالس أنسه وداخله مداخلة شديدة حتى تغلب على أكثر أمره .
ونعم في كنفه بالحياة السعيدة، إذ يعبر عن ذلك ابن سعيد بقوله: "والسعادة تلحظه بطرق عنايتها إلى أن صار من المشرفين في مجلس الخلافة المستنصرية، وحل من المكارم والإمكان بالدرجة العلية" ، وظل كذلك حتى وافته المنية سنة ست وخمسين وستمائة 656هـ.
ومن كل ما تقدمه لنا المصادر يمكن القول أن حياة ابن عميرة تميزت بالتقلب وعدم الاستقرار، تقلد خلالها مناصب مختلفة وفي مدن عديدة من الأندلس والمغرب وإفريقيا وشغل مناصب سياسية مهمة، وما رسائله الديوانية إلاّ صورة عن السياسة المنتهجة في كل بلد حل به، وهي تطلعنا على جوانب مهمة من الصراع والتنافس على الحكم بين رؤساء الأندلس والعلاقات الداخلية فيما بينهم وعلاقتهم الخارجية مع جيرانهم المسيحيين أو مع الدول الإسلامية .
ويشهد المؤرخون أنه أوحد عصره، قال عنه المقري:" فأما الكتابة فهو فارسها الذي لا يجارى وصاحب عينها الذي لا يباري"  وقال عنه ابن السيعد:" أنه شيخ كتاب زماننا، وإمام أدباء أواننا"  ، وقال أيضا:" هو الآن عظيم الأندلس في الكتابة" ، أما ابن عبد الملك فقد خصه بقوله:" أما الكتابة فهو علمها المشهور وواحدها الذي عجزت عن ثانيه الدهور" ، كما أثنى عليه محمد ابن مخلوف بقوله:" قدوة الفقهاء وعمدة العلماء النبهاء المتفنن في العلوم الحامل لواء المنثور والمنظوم" ، بينما قال عنه الغبريني "أنه أعلم العلماء وتاج الأدباء" .
من نثره الديواني، مرسوم أصدره الخليفة الموحدي الرشيد بإسكان المهاجرين المسلمين الذين لجأوا إلى مراكش وبقية مدن الأندلس بعد سقوط بلنسية وشقر وشاطبة بيد الإسبان بشعبان سنة637هـ، مما جاء فيه:"… للمتنقلين من أهل بلنسية وجزيرة شقر وشاطبة ومن جرى من سائر بلاد الشرق مجراهم، وعراه من عبر الأيام ما عراهم.. ويلتمس لهم مكانا للقرار ومنزلا لإلقاء عصا التسيار، وعند ذلك أذن لهم أعلى الله إذنه وجدد مجده ويمنه في النقلة إلى رباط الفتح.. وأن يتخذوا مساكنه وأرضه بدلا من مساكنهم وأرضهم بدلا من مساكنهم وأرضهم ويعمروا فيه بدلا يقيل منهم أولي من قبل.."  . وهذه الوثيقة ذات أهمية بالغة في كونها تلقي ضوءا كبيرا على مصير من شردتهم محنة الانهيار من أهل الأندلس وما كانوا يلاقونه من ضروب العطف والترحاب في العدوة المغربية.
وله أيضا، رسالة من أبي جميل زيان إلى ملك قشتالة في مراودة الصلح جاء فيها: "… ورأينا أن نحفظ من الأسباب المرعية على التفصيل والجملة حديثه وقديمه، وحين ترجحت مخاطبتكم من هذا المكان ومفاوضتكم في هذا الشأن، رأينا من تكملة المبرة وتوفيقه العناية التبرة أن ننفذ إليكم من يشافهكم في هذا المعنى، ويذكر من قصدنا ما نولع به ونعني…" .
وله أيضا، بيعة أخذها على أهل شاطبة من الأندلس لأبي جعفر المستنصر بالله العباسي، قام بعقدها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود، صاحب الأندلس، ثمّ أخذ البيعة بعد ذلك عليهم لنفسه وأن يكون ابنه ولي عهده بعده جاء فيها:" لما دعا الناس بالمملكة الفلانية حماها الله إلى حجتهم القوية… وجعل التوكل على  الله  سبحانه وشريعة منيعة وذريعة معينة وتقدم- أيده الله- بأخذ البيعة على نفسه وعلى أهل الملة قاطبة للقائم بأمر الله.. فلم يروا رأيا أشد ولا عملا أحصن وأنشد من أن يطلبوه بعقد البيعة لابنه الواثق بالله المعتصم به أبي بكر محمد بن مجاهد…" .
لم يكن ابن عميرة مترسلا فقط بل كان شاعرا أيضا وكان كثيرا ما يفتتح رسائله بأبيات شعرية يشوق لها السامع حتى أصبح تضمين الشعر ميزة لا تكاد تخلو منها رسائله.
قال في رثاء بلنسية:
ما بال دمعك لا يني مدراره أم ما لقلبك لا يقر قراره
اللوعة بين الضلوع لظاعـن سارت ركائبه وشطّت داره
أم للشّباب تقاذفت أوطـانـه        بعد الدنوّ وأخفقت أوطـاره
أم للزّمان أتى بخطب فـادح      من مثل حادثة خلت أعصاره
ومن شعره البليغ ما صدّر به رسالة أجاب فيها صديقه أبا جعفر بن أمية حين بلغه خبر إستيلاء النصارى على بلنسية:
ألا أيها القلب المصرّح بالوجد أما لك من بادي الصبابة من بدّ
وهل من سلو يرتجى لمتيّـم له لوعة الصّادي وروعة ذي الصدّ
يحنّ إلى نجد وهيهات حرمت صروف اللّيالي أن يعود إلى نـجد.
فيا جيل الريّان لا ريّ بعدمـا عدت غير الأيام عن ذلك الورد
من مؤلفاته كتاب "التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات" رد به على عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني في الكتاب الذي ألفه في إعجاز القرآن وسماه "كتاب التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن" وله تأليف في كائنة ميورقة التي استولى عليها خايمي ملك أرغون سنة 627هـ نحا فيها منحى محمد الأصفهاني في كتابه "الفتح القسي في الفتح القدسي"، واختصار كتب "ثورة المريدين" الذي ألفه عبد الملك بن محمد صاحب الصلاة الباجي.
كما خلف لنا عميرة ديوان رسائل جمعه أولا تلميذه وصديقه أحمد بن شنيف العقيلي ثمّ صارت إلى المؤرخ العربي محمد بن عبد الملك بعد وفاته.
وهكذا توفي الكاتب الفقيه الأديب العالم ابن عميرة عن عمر يناهز الخامسة والسبعين (582هـ/656هـ) تميز خلال حياته بالعطاء الوافر في مجالات شتى حتى أضحى "زينة كل مجلس يحضره وحلية كل مجمع يعمره وحسنة من الحسنات التي لا يجود بها الزمان كثيرا" .

الاثنين، 14 يوليو 2014

أبو جعفر بن عطية الأندلسي.د/سامية جباري

هو الكاتب الوزير أبو جعفر بن جعفر بن محمد بن عطية القضاعي كاتب الدولتين المرابطية والموحدية، أصل أسرته من طرطوشة ثمّ انتقلت إلى دانية ثمّ إلى مراكش .
ولد أبو جعفر بمراكش قاعدة الملك المغربي الأندلسي سنة 517هـ تلقى علومه الأولى على يد والده وطائفة كبيرة من أهل مراكش ، نشأ محبا للعلم، ساعيا لاكتسابه فأجاد الأداب وأساليب الإنشاء، ولا نعرف عن حياة مترجمنا الأولى سوى أنه تدرب على فن الكتابة في الديوان، ووالده كان كاتبا لأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، ويبدو أنه لم يكن كاتبه الخاص، لأن الذي تذكره المصادر تؤكد عليه في ترجمة علي بن يوسف أن كاتبه الذي يحظى عنده بالمكانة الخاصة هو أبو محمد بن أسباط.
فهذا الوالد الذي كان أحد كتاب الديوان لا شك أنه قد أخذ ولده منذ نعومة أظافره بأسباب التربية والتعليم ، فهيأه بذلك لتقلّد خطة الكتابة في الدولة اللمتونية حتى أضحى من كتابها البارزين وهو لم يتجاوز سن العشرين على حد قول المراكشي أنه "كان قبل اتصاله بعبد المؤمن وفي الدولة اللمتونية يكتب لعلي بن يوسف في آخر أيامه" ، ولاسيما أن وفاة علي بن يوسف كانت سنة 537هـ وهذا إن صح يدل على نبوغ مبكر لكاتبنا أبي جعفر.
تؤكد مختلف المصادر أنه عمل دون العشرين في ديوان أمير المسلمين علي بن يوسف ثمّ في ديوان ابنه تاشفين وأنه كان مع هذا الأخير بالمغرب الأوسط حين بعثه سنة 539هـ إلى مراكش كاتبا مع ابنه الأمير إبراهيم ، بينما يخالف هذه الحقيقة ابن خلدون وابن الآبار إذ أقرا أن أحمد بن عطية كان كاتبا لإسحاق بن علي فقط وأن والده هو الذي كتب لعلي وابنه تاشفين .
ويبدو أن أبا جعفر كتب لعلي في أواخر حياته حيث قارب كاتبنا سن العشرين فيمكن بذلك القول إن الأب والابن كانا كاتبين معا في البلاط المرابطي لعلي وابنه تاشفين.
فعظم بذلك شأنه وصاهر المرابطين فصار من خاصتهم إلا أن ذلك النعيم لم يدم فقد قربت نهاية دولتهم بتعاقب أمراء ضعفت قيادتهم العسكرية واستهوتهم نضارة الجزيرة فتوالت هزائمهم أمام الموحدين الذين دخلوا مراكش سنة 541هـ فدان لهم المغرب والأندلس ولم يجد حينها ابن عطية أمامه سوى الهروب خوفا من أن ينال أو يلقى مثل مصير والده الذي قتل بسبب إخلاصه لدولته ولأمرائه اللمتونيين.

فلما سقطت مراكش "أخفى نفسه ودخل في غمار الناس وانظم إلى كتائب الموحدين لا يعلم بحقيقته أحد" ، ويضيف ابن الآبار أنه "بلغ به الحد من الاستخفاء والاستتار إلى أن ارتسم في المرتزقين من الرماة" ، وبقي على حاله من التنكر إلى أن ثار محمد بن عبد الله بن هود الماسي بسوس سنة 542هـ، والذي تشبه بالمهدي بن تومرت فتبعه الناس واجتمعت عليه القبائل وبلغت دعوته إلى جميع أقطار المغرب  حتى لم يبق مع عبد الله بن عبد المؤمن بن علي إلا مراكش كما عند صاحب القرطاس أو مراكش وفاس كما عند صاحب الحلل الموشية.
فجهز عبد المؤمن لقتال الثائر جيشا بقيادة يحيى بن اسحاق أنجمار، فلم يلق نجاحا في القضاء على ثورته مما أضطره أن يرسل جيشا آخر بقيادة أبي حفص الهنتاني الذي لم يتوان في القضاء على ثورته فسماه الموحدون سيف الله تشبيها بخالد بن الوليد .
فهذا الانتصار الكبير جعله يفكر في الكتابة إلى أمير المؤمنين مبشرا بالنصر فلم يلق في جميع من استصحبه من يجلي عنه ويوفي ما أراد إلى أن دل على شاب في سلك الجندية يخاطر بشيء من الشعر والأدب والترسل، فاستحضره القائد أبي حفص لكنه تظاهر بالعجز خوفا من أن يكشف أمره، فاشتد عليه أبو حفص حتى قبل إنشائها ، مما جاء فيها:
"وتقدمت به بشارتنا جملة، حيث لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى وإسما وأملى لهم الله ليزدادوا إثمّا… وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم فمن يعاين منهم إلاّ من خر صريعا، وسقى الأرض نجيعا، ولقى من أمر الهنديات أمرا فظيعا…"
فجاءت هذه الرسالة "قطعة من البلاغة المتدفقة والبيان الرائع"  وأنفذت إلى عبد المؤمن فقرنت بمحضر أكابر الدولة فعظم بذلك مقدارها، فصدر عنه الجواب مستوصيا بكتابها خيرا وضرورة الإحسان إليه واستصحابه إلى حضرة الخلافة عزيزا مكرما .
ولما دخل عبد المؤمن سأله عن نفسه فلم يجد بدا من إخفاء حقيقة أمره، وقد قابله بالكرم والتسامح وقلده خطة الكتابة وأسند إليه وزارته
ولم يكتف بذلك كما قال ابن الخطيب" فوض إليه النظر في أموره كلها فنهض بأعباء ما فوض إليه وظهر فيه استقلاله وغناؤه"  وصار بعد ذلك من كبار الرجال الذين تناط بهم المسؤوليات وقد أثنى عليه في الإحاطة "كانت وزارته زينا للوقت وكمالا للدولة"  وقد تعدت خدماته ذلك إلى أن شارك في إخماد الثورات بين الحين والآخر ومصاحبة الأمراء في مهامهم السياسية كلما اقتضت الضرورة، فنجده قد ساهم في إخماد ثورة أخواي المهدي بن تومرت اللذين أضمرا الغدر فدخلا مراكش بصحبة الغادرين فوثبوا على يعمر بن تفراكن وقتلوه، ولما علم بذلك عبد المؤمن بعث إلى وزيره ابن عطية واستطاع أن يخمد هذه الفتنة وأن يقبض على زعيميها عيسى وعبد العزيز .
كما قام بعملية تطهير شاملة في مراكش قضى بها على كثير من الخوارج وقتل المارقين، وعلى إثر هذه الحادثة بعث عبد المؤمن إلى الأشياخ والكافة في مختلف قواعد المغرب والأندلس بشرح ظروف هذه الفتنة مبررا وسيلته في الفتك بالخارجين عن طاعته جاء فيها:".. ذلكم أن الأشقياء فلانا وفلانا وأصحابهما كانت نفوسهم الخبيثة كامنة على أذاها، وعيونهم السخية نائمة على قذاها، وفطرهم ناشئة بما مدها من الغلظة ولم نزل بعد الإمام المعصوم المهدي المعلوم  من أول الزمن نحملهم في حجر الكفالة والكفاية، ونجريهم مجاري العناية والحفاية.."
كما ساهم في إخماد فتنة الوهيبي الثائر بألمرية، فبعث الخليفة وزيره أبا جعفر إلى الأندلس صحبة ولده السيد أبو يعقوب يوسف الذي ندبه لولاية إشبيلية، وأمره بعد استقرار ولده أن يتوجه إلى ألمرية.
ففعل ذلك ونجح في إقناع الثائرين بالتسليم على الأمان ودخل الموحدون ألمرية أواخر سنة 552هـ.
وبينما اشتغل الكاتب الوزير بالقيام بمهامه السياسية خلا الجو لحساده فأوغروا صدر الخليفة كما أجمع الرواة على قولهم "عندما خلا منه الجو ومن الخليفة مكانه وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به حتى أوغروا صدر الخليفة فاستوزر ابن عبد السلام بن محمد الكومي وانبرى لمطالبة ابن عطية وجد في التماس عوراته وتشنيع سقطاته" .
ومن هؤلاء الوشاة ربيب نعمته وأسير فضله مروان بن عبد العزيز الذي نظم أبياتا شعرية وطرحها بمجلس الخليفة مطلعها:
قل للإمام أطال الله مدته قولا تبين لذي لب حقائقه
إن الزّراجين قوم قد وترتهم وطالب الثأر لم تؤمن بواتقه
وللوزير إلى أرائهم ميـل لذلك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم وإطفاء نارهم  فربما عاق عن أمر عوائقه
فكان لهذه الأبيات أثرها على عبد المؤمن فوغر صدره على وزيره إلا أنهم اختلفوا في سبب نكبته وحصروها في أمرين اثنين: منهم من قال أن أبا جعفر لم يوفق في اصطناع الكثير من اللمتونيين وانتشالهم من خمولهم، والأرجح هو السبب الثاني في كون الخليفة أفضى إليه بسر فأفشاه، وذلك أن ابن عطية تزوج بنت أبي بكر بن يوسف بن تاشفين والتي تعرف ببنت الصحراوية وأخوها يحيى فارس المرابطين المشهور عندهم، فحظي يحيى هذا عند الموحدين وقودوه على من وحد من لمتونة، ولم يزل وجيها عندهم مكرما لديهم إلى أن نقلت عنه إلى عبد المؤمن أشياء كان يفعلها وأقوالا كان يقولها أحنقته عليه، فتحدث عبد المؤمن ببعض ذلك في مجلسه وربما هم بالقبض على يحيى هذا، فرأى الوزير أبو جعفر أن يجمع بين المصلحتين، من نصح أميره وتحذير صهره، فقال لامرأته: قولي لأخيك يتحفظ، وإذا دعوناه غدا فليعتل ويظهر المرض وإن قدر على الهروب واللحاق بجزيرة ميورقة فليفعل، فزاره وجوه أصحابه وسألوه عن علته فأسر إلى بعضهم ممن كان يثق بهم ما بلغه من الوزير، فخرج ذلك الرجل الذي أسر إليه ونقل ذلك كله بجملته إلى رجل من ولد عبد المؤمن فكان هذا هو السبب الأكبر في قتله .
وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعدل الانصراف إلى مراكش  وفور وصوله قيد وسيق إلى المسجد حيث صدر أمر الخليفة باعتقاله واعتقال أخيه، فاصطحبهما معه في رحلته إلى قبر المهدي بقرية تينملل، وقد صدرت عن أبي جعفر لطائف شعرية ونثرية رائعة إلاّ أنها لم تفده في شيء، وأمر بقتلهما أمام حصن تاغمرت سنة 553هـ.
من رسائله الاستعطافية رسالة استهلها بأبيات شعرية بليغة:
"عطفا عليّ أمير المؤمنين قد بان العزاء الفرط الهم والحزن
قد اعرقتنا ذنوب كلها لـجـج ورحمة منكم ألجا من السفن
تالله لو أحاطت بي كل خطيئة، ولم تنفك نفسي عن الأخطاء بطيئة" فلما وقف عليها عبد المؤمن وقّع عليها: "الآن عصيت قبل وكنت من المفسدين"
ومن عجيب الاتفاق أن تكون نهايته شبيهة بنهاية جعفر بن يحيى البرمكي وقد أنشده يوما الكاتب أبو بكر محمد بن نصر الأوسي وكان مختصا بالوزير أبي جعفر أنشده مادحا:
أبا جعفر نلت الذي نال جعفر ولا زلت بالعليا تسر وتحبر
عليك لنا فضل وبر وأنعـم ونحن علينا كل مدح يخبـر
فحدث من حضر المجلس أن أبا جعفر تغير وجهه لما أنشده ابن نصر مطلع هذه القصيدة، لأنه كان قد أحس التغير من عبد المؤمن فخشي أن يكون نهايته كنهاية جعفر البرمكي، وقد كانت كذلك .
وإجمالا، يمكن الإشادة بأعماله في الدولتين المرابطية ككاتب ثمّ الموحدية ككاتب ووزير، فاشتهر خلال ذلك "بإجمال السعي للناس واستمالتهم بالإحسان، وعمت صنائعه وفشا معروفه، فكان محمود السيرة، منصب المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المآخذ ميسر المآرب" .
وقال عنه ابن الآبار: "صنيعة الإيالة الحفصية على الحقيقة ونشأة عنايتها الكريمة وهدايتها العتيقة بها بهر بهاؤها واشتهر ابتداؤه وانتهاؤه…"
أما عن حياته الأدبية والفكرية، فقد عرف ابن عطية بباعه الكبير شعرا ونثرا، كما عرف بطلاقة اللسان وسلاسة القلم وبسيطة العلم، كما قال ابن الخطيب: "كان كاتبا بليغا سهل المأخذ منقاد القريحة سيال الطبع رائق الخط"  من شعره:
أنوح على نفسي أم أنتظر الصّفحا قد آن أن تنسى الذنوب وأن تمحى
وها أنا في ليل من السّخط حائـر ولااهتدي حتى أرى للرّضى صبحا
كما امتاز ابن عطية في كتاباته بما يجاري أدباء عصره "في انتقاء الألفاظ واستعمال المحسنات والإكثار من الاقتباس والإشارات والتضمين من غير إخلال بالمعنى ولا تقصير في التعبير عن الغرض المقصود  وله عدد وافر من الرسائل الديوانية جمعها ليفي بروفنصال في كتاب مجموع رسائل موحدية.
ومما يدل على براعته الأدبية ما رواه المقري على أن عبد المؤمن امتحن الشعراء لهجاء ابن عطية، فهجوه، فلما أسمعوه أعرض عنهم وقال: "ذهب ابن عطية، وذهب الأدب معه" .