‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات أندلسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات أندلسية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 يناير 2020

الأندلس ذلك الجمال الذي يسكن روحي. ذكرى سقوط غرناطة / أ.د سامية جباري


الأندلس ذلك الجمال الذي يسكن روحي، حينما أذكرها ترتسم بين ناظري سيرة عطرة لازالت محصورة بين دفات مكتبات قديمة او بين صفحات كتب بالية، الأندلس وجود وكيان، حب وامتلاك، جمال وجلال، حينما سرت بين دروبها تمثلت أهل العلم والفكر والدين والأدب، وارتقت روحي الى مجالسة خيرة أقطاب الحضارة وروادها، تجولت في بعض مدنها سابحة بمخيلتي في ذلك الزمن الجميل، حيث كانت الهيبة  للسلاطين والملوك، حيث كان للعلم اهله، حيث الفروسية عنوان الرجولة، كل الأرض كانت مزهرة بما تملكه من مرافق ناضرة، من حقول باسقة ، ورياض تشتهي النفس ربوعها تظللك الأشجار بفيافيها العالية وتسقيك الوديان من مياهها العذبة، كل شبر هناك يحكي الجمال يحكي قصة أجدادنا الذي رسموا في تلك الربوع أجمل لوحة للاسلام.
سرت بي الأيام لأجدني أتحسر على ماض تليد محته الأيام من الذاكرة فلا الشعوب ترحمت ولا الأجيال ترسخت في عقولها تلك الحضارة، بت أنظر الى اخر معقل للمسلمين بالأندلس تلك الرمانة الحمراء ذات القصور الفريدة والحدائق الجميلة والشوارع النظيفة، دونما ان انسى الإشادة بمساجدها التي احتضنت العلم والعلماء فكانت الملاذ والمدرسة والابداع.
في مثل هذا التاريخ 2 يناير انطفأت الشمعة المضيئة وانحسرت رقعة الإسلام وضاع المجد بعد ثمانية قرون من العطاء والبذل والوجود والقوة والصمود، انه اليوم الذي اعتلى قصر الحمراء الصليب الفضي وتوحدت فيه قوى النصارى على طرد بقايا المسلمين وتشتيتهم أما من بقي منهم فمحاكم التفتيش له بالمرصاد حيث تنوعت فيها الوان التعذيب والتدمير البشري.
هناك حيث كان التنكيل واختراق حرمة الدين فحولت المساجد الى كنائس ،ىوتزينت الأرض بدق النواقيس، وخرج اخر ملوك غرناطة يبكي ذليلا ضياع المجد كان اليوم حزينا ، بعض الاعين تنظر فيه الى الأرض وتشم ريحها ، وبعضا منها تلوح الى السماء فتشكو الهم النازل بها ،وبعضا من هؤولاء يجمع شتات اغراضه في حقائب لا تقوى على حملها، يوم بكت فيه الاعين وتحسرت الانفس وناحت فيه الرجال قبل النساء.
إننا اليوم لنقف بحسرة على ما فرطنا وعلى ما ضيعنا وتبقى رسالتنا ان نحيي هذا المجد في نفوس الأجيال القادمة عرفانا بما قدمه أجدادنا من تضحيات ومن ألون المعرفة التي كانت قبلة الغربيين حيث نهلوا منها واستفادوا ثم طوروا، يكفينا شرفا أن المدرسة الاندلسية رائدة في مختلف مشارب الثقافة والفنون والعلوم والعمارة وقد خلدت لنا مؤلفات نعجز عن التأليف مثلها وخلدت لنا رموز علماء وادباء رسموا لنا في كتبهم أفضل منتوج.
نبقى أحياء ما بقيت الذاكرة التراثية حية في نفوسنا نحتويها ونثمن ما جادت به ثم نقدمها الى أبنائنا لتظل علما يرفرف ومجدا لا يزول فقد عصفت الأيام ونسفت كل مأثور وحان الوقت ان نواجه كل العواصف بالحفاظ على الذاكرة وإعادة بعث كل منظوم و منثور يحكي تفاصي القصة الاندلسية.
         لـكل شـيء إذا مـا تمَّ نُـقصانُ              فـلا يُـغـَر بـطيب العَيشِ إنسان
         هـي الأمـور كما شاهدتَها دُوَلٌ             مـن سرَّهُ زمـَنٌ سـاءته أزمـانُ
         وهـذه الـدارُ لا تُبقي على أحدٍ              ولا يـدومُ عـلى حـالٍ لها شانُ

الخميس، 21 يناير 2016

غوص في الذاكرة الأندلسية / بقلم الدكتورة سامية جباري


سلسلة دراسات أندلسية
مقال العدد1                         
تحتل  كلمة الأندلس مكانة عزيزة في نفوس الباحثين في غمار الذاكرة العربية، الباحثين عن الهوية الاسلامية ،عن التراث الذي غطاه تراب الزمن فلم يعد يظهر بريقه في صفحات حاضرنا.
الأندلس تاريخ مبعثر في دروب موحشة، وفي أزقة الذاكرة المهجورة.. تاريخ نلمح خطوط شمسه الذهبية تسطع على صفحات ألاف الكتب والمؤلفات باتت على رفوف المكتبات يلفها غبار النسيان.
الأندلس حضارة خالدة صورت تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، حضارة هزت الدنيا وأعطت دروسا على مر الازمان في البسالة والبطولة، في اعلاء كلمة الحق والدفاع عن الدين، في الفنون والآداب والعلوم ،في ألوان الفكر والثقافة، في السياسات وأساليب الحكم..
الأندلس ذكرى أمة مجيدة وشعب عريق أثبتت أنها ساهمت في رسم معالم الحضارة الاسلامية برجالها وفكرها وانجازاتها وثقافتها. والتي  قدمت للبشرية أعلاما أفذاذا كان لهم الفضل في تنوير الفكر البشري وفي صياغة رؤى جديدة أسست لحضارة نافست مثيلاتها في المشرق وخلدت اسماء عظيمة كعظمة رجالها كابن خلدون وابن حزم وغيرهم كثير..
والمكتبة الأندلسية غنية بأمهات الكتب التي غاصت في تاريخ الوجود الاسلامي بالاندلس طيلة ثمانية قرون والتي لازالت شاهدة على عراقة الحضارة التي غرسها المسلمون في قلب أوربا.فقد ابدعوا في التاريخ والجغرافيا في العلوم والرياضيات في الفلك والتنجيم في الادب والفلسفة في الطب والصيدلة في الفقه واللغة...انها شذرات من ذهب ظلت محط أنظار الشرق والغرب فكثرت الدراسات وتنوعت مشاربها وتعددت صورها حتى نافسهم في ذلك المستشرقون بترجمة او تحليل او تاكيد او صياغة جديدة..
إنها الأندلس الفردوس المفقود نريد من خلال هذه السلسة ان نقف عند كل ما انتجته هذه الحضارة فأهّلها أن تحتل الريادة في وقتها وقد نافست كبرى الحضارات فأذعن لها الملوك والسلاطين واعترف لها العلماء والباحثين.
نغوص في الذاكرة العربية الاسلامية، نتعرف على العادات والتقاليد، نتصفح شتى العلوم والفنون بالدراسة والتحليل، ننظر في الأخلاق والدين، نقلّب صفحات المجد والبطولة فنقف على اساليب الحكم وسيرة الملوك،نستقرئ النصوص الأدبية لنلمس رقة مشاعر ورهافة حس الاندلسيين من خلال اشعارهم وكتاباتهم، من خلال دروسهم ومواعظهم، من خلال منتوجهم وأعمالهم.
إنها الأندلس التاريخ الحي الذي لازال يعيش بداخلنا وقد ضرب أروع الأمثلة لحضارة بلغ صداها عنان السماء..نريد ان نعيش هذه الحضارة نزيل الغبار عنها نتعرف عن قرب على خصائصها على مميزاتها على ملامحها فاستحقت أن تحتل اهتمام اهل العلم ليفردوا لها التصانيف والتواليف..

من هنا ارتأيت ان تكون مشاركتي بسلسلة من الدراسات الاندلسية عساها تقرب الأفهام، وتزيل النقاب عن مختلف جوانب الحياة الأندلسية، وتمسح الغبار عنها لتكون حلقة اضافية للدراسات المهتمة بالحضارة الإسلامية. 

الخميس، 2 أبريل 2015

الثلاثاء، 3 فبراير 2015

الخصائص الفنية للرسالة الديوانية بالاندلس من الفتح الى سقوط غرناطة ج6د/سامية جباري

الإيجاز والإطناب:
     يخضع أسلوب الإيجاز والإطناب في مجموع الرسائل الديوانية المتوافرة لدينا بالدرجة الأولى إلى الموقف الذي يستدعي الكتابة الديوانية، وقد علق على هذه الظاهرة عدة مؤلفين اختلفت نظرتهم في مواضع متعددة.
     فقد ذكر القلقشندي أنه من بين المواقف التي تستدعي الإيجاز أن يكون المكتوب له عن السلطان أمرا أو نهيا[1]، وإذا تصفحنا رسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجد من الرسائل ما تتطلب الإيجاز، ومنها ما تستدعي الإطناب أو تكون اعتدالا بينهما، ولنا مثال عن ذلك، فرسالة علي بن يوسف بن تاشفين من مراكش إلى نائبه أبي محمد بن فاطمة يأمره بإقامة الحق[2] فهي متوسطة بين الإيجاز والإطناب.
     بينما وردت رسائل الفصول[3] في الموضوع ذاته مطولة كرسالة أبي يعقوب إلى أبي سعيد ضمنها طائفة من النصائح اتبع فيها أسلوب الإطناب[4].
     ويعلق الكلاعي عن دواعي الإطناب بقوله:" ما يكتب به عن عامة وتفرع به آذان جماعة كالصلح بين العشائر والتحضيض على الحرب والتحذير من المعصية والترغيب في الطاعة"[5]، فإذا حاولنا تطبيق قوله على نصوص الرسائل الديوانية فإننا نجد خلاف ذلك في مواضع عديدة منها رسالة عن أمير المؤمنين وناصر الدين إلى أهل إشبيلية سنة اثنتي عشرة وخمسمائة(512هـ) يحثهم فيها على التماسك والتناصح، واجتناب الفرقة والشقاق جاءت معتدلة[6].
ثم يضيف الكلاعي عن الإيجاز فيقول أنه: " يخاطب به أهل الرتب العالية، والهمم السامية"[7]، كما جاء في رسالة يوسف بن تاشفين إلى ألفونسو لما خرج إلى ملاقاته في سهل الزلاقة جاءت مختصرة، حيث أجابه بقوله: " وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك وتمنيت أن يكون  فلك أن تعبر البحر علينا إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه الفرصة بيننا وبينك، سترى عاقبة دعائك ما دعاء الكافرين إلا في ضلال"[8].
     لكن الإيجاز في مخاطبة أهل الرتب السامية لم يكن أسلوبا معتمدا في جميع الحالات، فرسالة عبد الرحمن الأوسط إلى (ثيوفلس) إمبراطور بيزنطة جاءت على أسلوب الإطناب[9]، بينما وردت معظم الرسائل الديوانية الموجهة من سلاطين غرناطة إلى ملوك النصارى، المجموعة في كتاب الحلل السندسية على أسلوب الإطناب"[10].
     والملاحظة نفسها نلمحها في رسائل الغني بالله إلى السلطان المريني[11]، وبهذا يمكن القول إن أسلوب الإيجاز والإطناب في الكتابة الديوانية يخضع للموقف ذاته، فقد نجد رسائل تعالج موضوعا واحدا ترد بصور مختلفة تارة موجزة وتارة فيها إسهاب وإطناب، مثال ذلك رسالة عبد الرحمن الداخل إلى أحد عماله وقد قصر في عمله جاءت على شكل توقيع موجزة: "أما بعد، فإن يكن التقصير منك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا وقد علمت بما قدمت فاعمد على أيهما أحببت"[12] بينما وردت رسالة المنصور بن أبي عامر سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة (391هـ) إلى قواد جيشه يعنفهم على تقصيرهم بأسلوب الاعتدال[13]، في حين جاءت رسالة علي بن يوسف إلى جند بنلسية سنة ثلاثة عشر وخمسمائة (513هـ) عالج الموضوع ذاته وفيها إطناب"[14]، والشيء نفسه نلاحظه في رسائل الفتوحات، فقد جاءت رسالة موسى بن نصير إلى الوليد بن عبد الملك يبشره بفتح الأندلس موجزة: " إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين، ولكنه الحشر"[15]، ومنها ما جاءت معتدلة كرسالة عبد المؤمن بن علي لما فتح السوس الأقصى سنة تسع وعشرين وخمسمائة (529هـ)، مما جاء فيها:".. فيميزنا عسكرا مباركا من خيل ورجل، فخرجوا من ناحية" تارودانت" وبعثنا تلك الليلة سرية إلى أسفل السوس، فوجدوا بلاد المجسم معمورة قد سكنوا بأهليهم ومواشيهم، فقتلوهم وغنموا أموالهم بقرا وغنما ودوابا وعيرا، وسبوا ذراريهم وأهاليهم، ورجعوا سالمين غانمين.." [16]، بينما وردت رسالة موجهة إلى علي بن يوسف في فتح إقليش فيها إطناب، منها قوله:" … توجهنا إلى الله نقتفي سبيله ونبتغي دليله، فما رفع الفجر من حجابه، ولا كشر الصبح عن نابه، حتى ارتفعت ألوية الدين سامية الأعلام واتسعت أقضية المسلمين ماضية الأحكام.." [17]






















الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

الخصائص الفنية للرسائل الديوانية من الفتح الى سقوط غرناطة.ج5. د/ سامية جباري

الجمل الدعائية والمعترضة:
     يقصد بالجمل الدعائية تلك العبارات المتضمنة الدعاء بدوام العز، والسعادة، وإطالة البقاء، ودوام السلطان[1]، وما إلى ذلك من مثل هذه المعاني، وأما الجمل المعترضة فهي التي تأتي بين معترضتين في سياق الكلام، وغالبا ما تكون على شكل دعاء، ويجتهد الكاتب الديواني في أن يضع الدعاء في مقامه المناسب، فعندما يذكر الخليفة أو الأمير يتبعه جملة اعتراضية تناسب مقامهما كقوله: أيده الله[2]، أصلحه الله[3]، أكرمه الله[4]، وفقه الله[5]، وإذا ذكر العدو اتبع بجملة اعتراضية كقوله: دمرهم الله[6]، لعنه الله[7]، قصمه الله[8]، خذلهم الله[9]، وعلى هذا المنوال نستعمل الأدعية في مقامها بين معترضتين.
وأما عن الجمل الدعائية فلا بد أن يراعى في صياغتها الاعتدال وقد أشار الكلاعي إلى ذلك بقوله: " الإكثار من الدعاء في الرسائل من أبهر الدلائل على ضعف البضاعة في الصناعة"[10]
ومن الجمل الدعائية التي وردت ضمن الكتب الديوانية رسالة وجهها إلى هشام المؤيد، المنصور بن أبي عامر لما عقد الصلح بينه وبين الموفق: (أطال بقاء أمير المؤمنين مولاي وسيدي وسيد العالمين وابن الأئمة الراشدين عزيزا سلطانه منيرا زمانه سامية أعلامه ماضية أحكامه على من نوأه قاهرا لمن عاداه…)[11].
     وفي رسالة أخرى من ابن اسحاق إلى المعتمد بن عباد بأمر المقتدر بالله بن هود صاحب سرقسطة يخبره بأمر أخيه صاحب لارده، افتتحها بالدعاء: "…سيدي وأعلى عددي وأقوى عمدي، وأذكى ذخره الأبدي، نعمة الله المستطيلة بيدي الناهضة بعضدي، ومن أطال الله بقاء في عز رفيع المراتب، وحرز منيع الجوانب.."[12]
     وقد جعل الكلاعي اختيار الدعاء صفة ملازمة للكاتب فعليه: " أن يتحرى في الدعاء الألفاظ الرائقة، والمعاني اللائقة، يتوخى من ذلك ما يناسب الحال، ويشاكل المعنى ويوافق المخاطب[13]، مثل ما أورده الوزير الكاتب ابن شرف في رسالة أرسلها إلى علي بن يوسف أحد قواده يخبره بفتح أقليش جاء فيها: " أطال الله بقاء أمير المسلمين وناصر الدين عماد الأنام وعتاد الإسلام السعيد الأيام الحميد المقام الكبير بالقدر ظهيري على الدهر الذي أجله بحقه وأقره بسبقه وأدام خلوده مؤيد الادارة مؤبد السعادة مجدد النمو والزيارة…"[14].
     وقد نلمس في بعض الرسائل الديوانية إطنابا في الأدعية مثال على ذلك رسالة أخو الخليفة يعقوب وجهها إلى شيوخ الموحدين والطلبة والأعيان وعموم الناس يخبرهم بالنصر على مردنيش من إنشاء ابن عياش:
"… والدعاء لمولانا وسيدنا أمير المؤمنين حامل لوائه والملة على منهاج الحق، الناسخ لمفترقات المذاهب، ممشي الدعوة الإمامية والكلمة الموحدية في شعاع نوره المجلي للغياهب ثمّ لفرعه الأنمى ونجله الأزكى الأمير الأجل الملك الأسعد الأعدل أبو يعقوب ذو الحسب المحلى بالمناقب والمسامي للنجوم الثواقب، المختار لأمر الله تعالى، المخصوص بغرائب الرغائب…"[15]
     وقد وردت الجمل الاعتراضية في الرسائل الديوانية على شكلين، تارة متسلسلة، وتارة متباعدة، فالوجه الأول ما أورده ابن برد في رسالة التولية بالعهد من هشام المؤيد إلى المنصور بن أبي عامر: "… وجعل إليه الاختيار لهذه الأمة بولاية عهده فيها، إن رأى بقاء ذلك في أمير المؤمنين-أعزه الله- عهده هذا وأنفذه وأجازه، لم يشترط فيه مثنوية ولا خيارا، وأعطى على الوفاء بذلك-في سره وجهره وقوله وفعله- عهد الله وميثاقه.." [16].
        والوجه الثاني ورد بكثرة في مجموع رسائل موحدية لبروفنصال، نستشهد برسالة من إنشاء ابن عطية: "… إنا كتبناه إليكم-كتبكم الله ممن أحسن تلقي البشائر، ووفىّ النعمة حقها من شكر شاكر، وجعلكم من الذين أشرقت لهم أنوار الهداية فائضة على الأبصار والبصائر- من حضرة فلانة- حرسها الله- والذي نوصيكم به.. وقد كان مقامنا بهذه الجزيرة –مهدها الله- لتميم المقصود… في معاقبة العدو-قصمة الله-وغيرهم-كتب الله جميعهم –قاصدون قصد هذه الجهة…"[17]
يتبع..  ج6




الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

الحياة الاجتماعية في الاندلس ج 4 عصر الموحدين. د/سامية جباري

قامت الدولة الموحدية رافعة شعار مؤسسها المهدي بن تومرت في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الوسيلة التي اتخذها لتحقيق مطمحه السياسي، فاتخذ لنفسه لقب المهدي المنتظر الذي "يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا".
        لذلك حرص خلفاء الموحدين على تغيير المنكرات، واتخذوا من إمامهم بن تومرت قدوة في ذلك حيث حصر لنا البيذق في كتابه عن المهدي بن تومرت مواقف عديدة في تغيير المنكر، منها ما حدث عند دخوله تلمسان، فقد وجد عروسا تزف لبعلها وهي راكبة على سرج واللهو والمنكر أمامها، فكسر الدفوف وغيّر المنكر وأنزلها عن السرج.
        وكان كثيرا ما يذكّر أصحابه بالحدود حتى لا يدرأوها، من رسائله في ذلك:
"اجتنبوا المحارم، وردّوا المظالم وتصالحوا وتغافروا فيما بينكم يغفر الله لكم، وأصلحوا ذات بينكم، ولا تفسدوا في الأرض، ولا تبذروا ولا تسرفوا، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل…".
        وقد  حذا حذوه خلفاء الموحدين، حيث" أخذوا على عاتقهم أن يقمعوا بشدّة كل وال أو مسؤول يبدو عليه التعنّت والانحراف والزيغ، ولو كان هذا الوالي أقرب الناس إليهم" مثلما فعل عبد المؤمن بن علي عندما عهد إلى أكبر أولاده محمد وبايعه النّاس، فسرعان ما خلعه لما ظهر منه من أمور لا يصلح معها للملكة، "من إدمان شرب الخمر، واختلال الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس".
كما تتبّعوا الخمر وشاربيه، حيث بعث المنصور إلى الطلبة والموحدين والأشياخ والأعيان والكافة بإشبيلية منشورا يأمرهم من خلاله بإراقة المسكرات وتحريم بيعها وتحويل الحانات إلى حوانيت لبيع الأشياء المباحة، ممّا جاء فيه:
        "… ما أسكر كثيره فملء الكفّ منه حرام.. فاقطعوه جملة وتفصيلا، ولا توجدوا أحدا إلى بيعه سبيلا.. واخلوا الحوانيت التي يباع فيها منه وأفقروها..".
        وإلى جانب الشدّة التي تمتع بها خلفاء الموحدين نجد طريقتهم في "الإحسان إلى الفقراء والعطف على المرضى والعجزة تتخذ طابعا إنسانيا رائعا".
        فقد شهد السكان في عهدهم رخاء عظيما خصوصا في أيّام الخلفاء الكبار، فقد كان أبو يعقوب سخيّا جوّادا، "استغنى الناس في أيامه وكثرت في أيديهم الأموال"، كما كانت أيام ابنه المنصور "أيام سعة وأمن ورخاء ورفاهية وبهجة".
        أمّا فيما يخص مداخيل الدولة فقد اعتمدت على "الزكوات التي يؤديها المسلمون عن طواعيه، وكذا على الجبايات والخراجات، والأعشار على الغنائم  والجزية والمصادرات".
        وإذا نظرنا في هيكل المجتمع الموحدي نجد ابن تومرت يعتمد على نظام الطبقات التي اختلفت المصادر في تصنيفها، وأفضل ما يعتمد عليه رواية ابن القطان الذي صنّف الطبقات إلى: العشرة أو أهل الجماعة، وهم أول من بايع ابن تومرت من السابقين، ثمّ أهل الخمسين وأهل السبعين، الطلبة، وهم علماء الموحدين، الحفّاظ وهم صغار الطلبة، أهل الدار وهم رجال يخدمون المهدي في داره من أصحابه يختصون به في ليله ونهاره، هرغة وهي قبيلة ابن تومرت، أهل تينملل، جديوة، جنفيسة، هنتانة، أهل القبائل، الجند، والفرات وهم الأحداث الصغار الأميون(أو الغزاة) لكل صنف رتبة لا يتعدّاها إلى غيرها، لكن هذا التصنيف سرعان ما غيّره عبد المؤمن لخروج بعض القبائل عليه، فاعتمد على طبقات ثلاثة:
 الطبقة الأولى وهو السابقون الذين بايعوا المهدي وصاحبوه وغزوا معه وصلّوا خلفه، والذين اشتركوا في معركة البحيرة سنة 524هـ، والطبقة الثانية تشمل الذين التحقوا به بعد معركة البحيرة إلى غاية فتح وهران سنة 540هـ ثمّ الطبقة الثالثة تمثّل كلّ من التحق بهم بعد فتح وهران. وخصّ أعضاء الأسرة المالكة من أبناء عبد المؤمن أنفسهم بلقب السيّد.
        كما برز في عهده عنصر الأشياخ الذين تمتعوا بنفوذ واسع كهيئة استشارية، ثمّ زاد نفوذهم "وقوي مع وفاة الناصر حيث أصبحت تولية الخلفاء بيد الأشياخ".
        كما اجتمع لعبد المؤمن من عساكر الموحدين والمرتزقة ومن قبائل العرب والبربر وزناتة أزيد من ثلاثمائة ألف فارس ومن جيوش المتطوعة ثمانون ألف فارس ومائة ألف راجل.
وكثر عددهم في عهد الناصر، حيث زحفت جيوش المسلمين من العرب إلى أرض المغرب أواخر المائة السادسة، دخلوا إليه غزاة مجاهدين على ظهور خيولهم، فاندمجت الجيوش العربية بالبربرية لتشكل جبهة واحدة مجاهدة لنشر الدعوة الموحدية.
        إضافة إلى هذه العناصر نجد الغزّ الأتراك الذين كانوا غالبا ما يحتلون المقدمة في الجيش، وقد بالغ المنصور في إكرامهم، كما انضاف إلى هؤلاء في عهد المأمون "الروم وكان عددهم يبلغ اثني عشر ألف مقاتل".
        أما اليهود فقد ألزمهم الموحدون بلباس خاص، حيث كانوا يرتدون زمن المنصور ثيابا كحلية وطاقيات كبيرة ثمّ تغيّر هذا الزي في أيام الناصر إلى ملابس صفراء وعمائم من نفس اللون.
        إذ كان الفقهاء قد نعموا بنفوذ واسع عهد المرابطين، فإنهم في الدولة الموحدية لم تكن لهم السلطة إلاّ أن يمنع الموحدين من استشارة القضاة في مختلف شؤون الدولة، مثلما فعل المأمون حيث استفتى القاضي المكيدي في قتل من نكثوا بيعته، ومنهم شيوخ الموحدين المستشارون، "فأفتاه بقتلهم حتى بلغ عددهم أربعة عشر ألفا علّقت رؤوسهم بأسوار مراكش".
        وكان القضاة يختصون بتنفيذ أحكام الدين على سائر الرعية" من ذلك إقامة الحدود وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
        أمّا المرأة فقد أنكر المهدي سفورها، وقد كانت له حوادث كثيرة في ردعها، مثال ذلك ما ذكره البيذق أنه لمّا رحل المهدي من تلمسان نظر في طريقه إلى النساء مزينات محليات يبعن اللبن فغطى حتى جازهن، وقال كيف تترك النساء محليات مزينات كأنهن قد زففن إلى بعولتهن أما تتقون الله في تغيير المنكر.
        ومواقفه هذه جعلت من المرأة الموحدية أكثر احتشاما وأقل ظهورا وأكثر تقديرا واحتراما يظهر ذلك جليا في رسالة عبد المؤمن سنة 543هـ، التي ينكر فيها بيع النساء ممّا جاء فيها:
"..يبتاع المرأة ويبيعها دون استبراء ويبعث في ذلك بكل إقدام على الله تعالى واجتراء ولا يتحفظ من مواقعه الزنا المحض ومخالفة الواجب من الفرض…"

        هذه الظروف لم تمنع المرأة من المشاركة في الحياة الاجتماعية فقد برزت نساء جليلات في ميدان الفكر والأدب، أبرزهن: زينب بنت يوسف بن عبد المؤمن، درست علم الأصول على يد أبي عبد الله بن إبراهيم، وكانت عالمة صائبة الرأي، فاضلة، ومنهن: حفصة بنت الحاج الركونية، والتي مدحت الخليفة عبد المؤمن ثمّ قامت بتدريس النساء في قصر الخليفة المنصور الموحدي، ومنهن أم خيرون الفاسية التي اقترحت عليه تأليف كتاب في مذهب الأشاعرة فألف العقيدة البرهانية.
يتبع بعصر بني الاحمر......

الجمعة، 10 أكتوبر 2014

الحياة الاجتماعية في الاندلس ج3 -عصر المرابطين- د/سامية جباري

وبزوال ملوك الطوائف أصبح المغرب والأندلس يشكلان في عهد المرابطين مملكة واحدة تشابهت فيهما ظروفهما الاجتماعية والسياسية، فقد عرف المغرب منذ ولاية يوسف بن تاشفين "الاستقرار والأمن والرخاء بعد الفتن المضطرمة التي لبثت قبل الفتح المرابطي زهاء نصف قرن".
        كما كان للأندلسيين أيضا حظهم في التمتع بالأمن والاستقرار تحت ظل حكم المرابطين، بعدما قضى يوسف بن تاشفين على ملوك الطوائف الذين استباحوا أملاك الرعية، إلاّ أن ذلك لم يمنع يوسف بن تاشفين من أن يتخذ "سياسة الحذر نحو النصارى المحاربين وحماية مصالح المعاهدين، بالإضافة إلى الدفاع عن الأراضي الإسلامية".ممّا ساعده على "صهر قبائل المغرب الأقصى في بوتقة واحدة" فاستحق لقب الزعامة والبطولة.
        يعد يوسف بن تاشفين، أوّل ملك بربري حكم المغرب "وكوّن جيشا قويا تمثلت فيه جميع القبائل المغربية بصفة عامة"، فكانوا أقرب في طباعهم إلى البداوة والجفاء.
ولمّا كان الفتح المرابطي للأندلس لم يكن من السهل أن ينصهر هؤلاء البربر مع الأندلسيين الذين عاشوا تحت " وطأة الحكم المرابطي بجفاء أساليبه وخشونة حكامه الجدد من زعماء البربر".
        إلاّ أنهم وجدوه منقذا لهم من أنواع الظلم والاضطهاد وإثقال كاهلهم بالضرائب، إذ نجذ المرابطين في بدء عهدهم التزموا أحكام الشرع وأبرز مظهر لذلك موقف يوسف بن تاشفين من الضرائب والمغارم، "فلم يفرضوا إلاّ ما جاء في الكتاب والسنّة ولم يجوروا على الناس ولم يلزموهم بضرائب خارجة عن الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذمّة وأخماس الغنائم".
        وإذا رجعنا إلى المصادر نجد أن معظمها أثنت على أخلاق يوسف بن تاشفين وابنه عليّ، فيذكر صاحب الحلل الموشية أن "يوسف كان رجلا فاضلا خيّرا.. كثير الخوف من الله" كما كان وليّ عهده عل أخلاق الصالحين، فقال عنه أنه " عظيم البرّ جزيل الصلة".
        ونحن نلمس في رسائلهم حرصهم الشديد على تطبيق مبادئ الشريعة السمحاء من تقوى الله وإقامة العدل والبر بالرعية…
        فهذا يوسف بن تاشفين في عهده لابنه عليّ يذكّره بجملة من الوصايا ويدعوه إلى تطبيق الشريعة وتحري العدل ممّا جاء فيها:
"… وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنة في أحد عصى أو أطاع، ولا ينام به عن حماية من أسهره الحيف والخوف والاضطجاع…".
        كما وجّه عليّ بن يوسف سنة 510هـ إلى أبي محمد بن فاطمة كتابا يحضه فيه على إقامة الحق وهو من إنشاء ابن الجدّ، ممّا جاء فيه:
".. وقد رأينا والله وليّ التوفيق الهادي إلى سواء الطريق أن نجدد عهدنا إلى عمالنا بالتزام الحق وإيثار أسباب الترف فاتخّذ الحق إمامك وملّك يده زمامك، وأجر عليه القويّ والضعيف أحكامه…"
        ولمّا انضافت ولاية قرطبة إلى تاشفين كتب له بذلك ابن أبي الخصال عن أبيه:
".. وأوّل ما نوصيك به تقوى الله، فاجعلها بردة شعارك وعقدة إضمارك وعهدة إيرادك وإصدارك ثمّ اعتمد المعدلة في عباد الله…".
        لقد اعتمد المرابطون كثيرا على عناصر الجيش وبخاصة أن حركتهم الجهادية تتطلب جندا وحرسا وقائمين على شؤون الدولة، فجنّد الأجناد وأخذ في جمع الجيوش فاشتملت الدولة المرابطية على أجناس مختلفة حيث اشترى يوسف بن تاشفين جملة من
عبيـد السودان سنة 464هـ، كما بعث إلى الأندلس فاشترى منها جملة من العلـوج(الصقالبة)، "وانتهى عنده مائتان وخمسون فارسا ومن العبيد-الزنوج والأفارقة-نحو ألفين فغلظ حجّابه وعظم ملكه".
        كما شارك في جيش المرابطين فرقة من "الغزّ الأتراك، بالإضافة إلى قبائل صنهاجة على اختلافها والمصامدة وجزولة وزناتة" ، وكان من سكان المغرب والأندلس إضافة إلى عناصر الجيش من مرتزقة ومتطوعة وصقالبة وغزّ أتراك نجد أقلية من العرب والبربر إلى جانبهم النصارى المعاهدون الذين عاشوا تحت ظل الحكومة الإسلامية يتمتّعون برعايتها، ولم يشعروا بالولاء لها بل كانوا يشكلون خطرا داخليا على الأندلس خاصة منذ سقوط طليطلة، لذلك نجدهم سرعان" ما أرسلوا إلى فردلند سفرا يشمل على اثنى عشر ألفا من أسماء أنجاد مقاتليهم" يظهرون له ولاءهم وأنهم على أهبة الاستعداد للدفاع ضد المرابطين، فانكشف أمرهم وكانت نهايتهم بفتوى تغريبهم.
        ويعتبر عليّ بن يوسف "أوّل من استعمل الروم بالمغرب وأركبهم وقدّمهم على جباية المغارم".
        لقد استمدت الحركة المرابطية أسس دعوتها من العقيدة الإسلامية حيث تربى القادة الأوائل في رباط عبد الله بن ياسين فتشبعوا بالمبادئ والأخلاق، ومن هنا كان المبدأ الديني هو القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها الدولة في سياستها، ممّا سمح للعلماء والفقهاء والمشتغلين بأمور الدين أن يحتلوا مكانة مرموقة.
        فهذا يوسف بن تاشفين "يميل إلى أهل الدين والعلم ويكرمهم" وكان يفضّل الفقهاء ويعظم العلماء، "ويصرف الأمور إليهم ويأخذ فيها برأيهم ويقضي على نفسه بفتياهم".
        وقد ذكر المراكشي في المعجب أن عليّ " لا يقطع أمرا في صغيرة أو كبيرة حتى يشهد أربعة من الفقهاء، فعظم شأنهم وزادت رفعتهم فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما".
        وهذا النفوذ الذي كان يتمتع به العلماء والفقهاء في الأندلس ومشاركتهم في شؤون الحكم "امتدّ إلى مراكش"، ولم يكن الترحيب قاصرا على فقهاء المغرب فقط بل حتى علماء الأندلس الذين توجّهوا إلى عاصمة المرابطين لينعموا برعايتهم، "فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كلّ علم فحوله، حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم"
        أمّا المرأة المرابطية فقد كان لها دور عظيم في المجتمع المرابطي وتمتعت بنفوذ واسع بدء بزينب النفزاوية زوجة يوسف بن تاشفين، والتي كانت ترفض كل من كان يتقدم إلى خطبتها من الأشياخ والأمراء، وتجيبهم بقولها " لا يتزوجني إلاّ من يحكم المغرب كله"، ولما أصبحت زوجة يوسف بن تاشفين لم يخالفها قط، وكان يقول لها:" لا خالفتك في أمر تشيرين به أبدا" وهي التي أشارت عليه حينها بخطة جعلته يملك المغرب كله، وتحققت نبوءتها.
        كما تمتعت المرأة المرابطية بقسط وافر من الحرية، حيث كانت تختلط بالرجال في الأماكن العامة، والمناسبات المختلفة، ولا تلتثم، وقد ظلت على هذه الحال حتى جاء المهدي فأنكر عليهن سفورهن.
        وأبرز مظهر لسيطرة المرأة على الحياة السياسية هو تلقب كبار القادة بأسماء أمهاتهن كابن فاطمة وابن عائشة وابني غانية، واعتبر المراكشي هذا الدور البارز للمرأة سببا من أسباب سقوط دولة المرابطين، حيث قال:" واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور وصارت كلّ امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور…"
يتبع... عصر الموحدين

الخميس، 9 أكتوبر 2014

الحياة الاجتماعية في الاندلس ج2 -عصر ملوك الطوائف- د/سامية جباري.

لقد كان لانقسام الأندلس في عهد ملوك الطوائف آثاره السلبية في سياسته الداخلية، إذ هو عصر تفكك وانحلال سياسي، اتّسم باضطراب الحياة الاجتماعية نتيجة الفتن الداخلية، والمنازعات بين أمراء الطوائف بالإضافة إلى الحروب المتوالية على الرعية، والتي "عانت كثيرا من ضروب الاضطهاد والظلم" من جراء فرض الضرائب الباهظة ليسدوا بها ثغرات ثلاثة:
الضريبة الأولى تسد بها ثغرة الجزية التي تدفع للنصارى، ومقدارها خاضع للمساومة، حيث نجدهم لايتأخرون عن دفعها خوفا من بطش العدو، يقول في ذلك المقري:
" لاذوا بالجزي للطاغية أن يظاهر عليهم أو يبتزهم ملكهم".
والضريبة الثانية هي المفروضة على الجند، وترتفع كلّما كانت الحروب والفتن دائرة بين الأمراء أنفسهم.
 والثالثة هي التي يوفّرها الأمراء وينفقونها في بناء القصور واقتناء فاخر الثياب والأثاث… لاسيما وأن مصادر الأموال لملوك الطوائف قليلة نظرا لضيق الأرض التي كانوا ملوكا عليها، فعمدوا إلى إثقال كاهل رعاياهم بهذه الضرائب حتى يتمكنوا من الإنفاق على وجوه ترفهم من بناء القصور واقتناء الجواري الحسان.
        فمنهم من كانت "أيّامهم أعيادا ومواسيم كبني المظفّر"، وبني ذي النور الذين "بلغوا في البذخ والترف إلى الغاية"، ومثال ذلك ما أورده ابن بسّام في الذخيرة عن إسراف المأمون بن ذي النون في مدعاة إعذار حفيده يحيى، صوّر هذه المؤدبة بقوله:
"… فحشد أمراء البلاد وجملة الوزراء والقواد فأقبلوا كالقطا القارب إرسالا وقد رسم لخدمته في توسيع مشارب هذا الإعذار، وإرغاد موائده وتكميل وظائفه وإذكاء مطابخه رسوما انتهوا إليها إلى حدّه وشقق عليها جيوب أكباسه… وانفقت على مجامره، ومحامره جمل من الأموال الجسام…"
        دون أن ننسى أن جزء من هذه الأموال كان يتخذ شكل الهدايا أو الإتاوات وخاصة التي كان يستعملها الأمراء لضرب بعضهم البعض، مثال ذلك التحالف الذي عقده المعتمد بن عبّاد مع ملك قشتالة ألفونسو السادسALFONSO VI لافتتاح غرناطة، "فدفع له مقابل الحلف خمسين ألف دينار"، ومقتضاه أن تكون المدينة للمعتمد وتكون ذخائر القلعة الحمراء لألفونسو، أما ابن هود فقد أرسل للطاغية، وبعث إليه بأموال جمّة وهدايا نظير خروجه إلى بلد ذي النون".
        وقد كان لثقل الضرائب على الرعية ولسقوط المدن في الحروب الداخلية ثمّ الهروب من الظلم أن بدأت في الأندلس رحلات منها إلى المغرب. فاستقبل بلاط المرابطين عددا مهما من العلماء وذوي الكفاءات من جندي وكاتب ومعماري وشاعر..
        أما الفقهاء فقد كانوا ظهيرا لأمراء الطوائف، "وكانوا أكبر عضد في تبرير طغيانهم وظلمهم"، حيث لم ينفكوا من تزكية تصرفات هؤلاء الأمراء فيما يتعلق بالضرائب المفروضة على الرعية، فعمرت بلاطاتهم بالفقهاء وأضحوا يتقلبون فيها كيفما شاءوا رغبة منهم في تحصيل النفوذ والمال.
        وقد وصف ابن حيان هذه الطبقة بقوله:" … ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين اثنين كالملح فيهم الأمراء والفقهاء، قلّ ما تتنافر أشكالهم بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون…".
        أما المرأة في عهد ملوك الطوائف، فقد كان لها الحظ الأوفى وشاركت بشكل فعال في إدارة سياسة البلاد، من الخالدات جارية المعتمد بن عبّاد، اعتماد الرميكية، التي أصبحت زوجته وأمّ أولاده.
        وقد عمد هؤلاء الأمراء إلى الاستكثار من "الجواري الحسان وملاح الغلمان".فإن أرادوا ترفا تغنيهم وإن أرادوا طربا تكفيهم، وقد بلغ عددهم عند المعتضد بن عبّاد "سبعون جارية".

        والجدير بالذكر أن اقتناء الجواري ارتبط كثيرا بالصوت الشجّي فنشطت حركة الغناء التي كان يحفل بها بلاط الأمراء حتى أضحى الغناء مظهرا اجتماعيا بارزا.
يتبع .......... عصر المرابطين.