الجمعة، 3 أكتوبر 2014

الحياة الثقافية في الاندلس -عصر الموحدين ج1- د/سامية جباري

        وفي عهد الموحدين بلغت الحركة الفكرية مبلغا عظيما، فقد زخرت المصادر بأعلام ومفكرين في مختلف الميادين إذ أن انشغال الخلفاء بنشر دعوتهم لم تصرفهم عن العلم أو تشجيع العلماء، فقد كان المهدي بن تومرت "عالما فقيها راويا للحديث عارفا بالأصول والجدل"، وما مناظرته لفقهاء المرابطين إلاّ دليلا على تمكنه وفصاحته، وأنه لم يكن ينفك من أن يعقد مجالس للذكر والوعظ، فاجتمعت إليه الجموع وجاءت الوفود من كل صوب.
        وكان خليفته عبد المؤمن على شاكلته "فصيحا عالما بالأصول والجدل والحديث مشاركا في كثير من العلوم الدينية والدنيوية" كما عرف بإحسانه لأهل العلم ودعوتهم للجواز بحضرته" ويجري عليهم الأرزاق السخية".
        وقد عدت مدينة مراكش في عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن من "أهم مراكز الثقافة الإسلامية في العلوم والآداب والفنون"، وهكذا كان ملوك الدولة أنفسهم من كبار العلماء والأدباء يغدقون على أهل العلم والفكر والتاريخ من الأموال والجوائز والهبات الجزلة "ما كان يذكي من حماسهم ويقوي من نشاطهم".
        أما الفلسفة فقد بلغت في العصر الموحدي ذروتها، ذلك أن ثورة المهدي بن تومرت على الفقهاء لإحراقهم كتب الإمام الغزالي ثورة أراد من خلالها استرجاع المكانة اللائقة بعالم عصره من خلال نشر مؤلفاته وعقد المجالس لذلك.
        ولما خلفه عبد المؤمن أمر سنة 550هـ بإحراق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث واستنباط الأحكام منها، "وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس والعدوة".
        بينما خليفته أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن فقد كان متبحرا في علوم القرآن والفقه والحديث وقد قال عنه المراكشي:" طمع به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة فجمع كثيرا من أجزائها ثمّ  تخطى ذلك  إلى  ماهو أشرف  منه من أنواع الفلسفة وأمر بجمع كتبها".
        كما نشأ يوسف بن عبد المؤمن بين أفاضل العلماء، "وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم"، وكان من أجّل صحبه الوزير أبو بكر محمد بن طفيل، "أحد فلاسفة المسلمين كان متحققا بجميع أجزاء الفلسفة"، وهو لم يتوقف عند هذا بل كان يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار، من بينهم ابن رشد الحفيد، محمد بن محمد بن رشد، "لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وفضلا، وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم جناحا".
        ولما تولى المنصور وقف على سيرة أبيه وجده "فبنى المدارس في بلاد إفريقية والمغرب والأندلس وأجرى المرتبات على الفقهاء وطلبة العلم" ثم أمر بإحراق كتب فروع الفقه، "وأن الفقهاء لا يفتون إلاّ من الكتاب والسنة"، على أن عناية المنصور بالفلسفة سرعان ما تحولت إلى اضطهاد وتحريق لكتبها فكانت محنة ابن رشد وكتبت عنه الكتب إلى البلاد بإحراق كتب الفلسفة كلها إلاّ" ما كان من الطب والحساب وما يتوصل به من علم النجوم في معرفة أوقات الليل والنهار".
        وبعودته من مراكش أدرك خطأه، وجنح لتعلم الفلسفة وأرسل يستدعي ابن رشد من الأندلس للإحسان إليه، والعفو عنه فبرز حينها عدد من المتصوفة من أمثال محمد بن علي بن محمد الحاتمي ويعرف بابن العربي (ت638هـ)، "كان مجموع الفضائل مطبوع الكرم والشمائل".
أما العلوم الدينية، فقد كان لها حظها في دولة الموحدين ذلك أن إيمانهم بصحة عقيدتهم، وسعيهم لنشرها جعل الخلفاء قدوة في هذا المجال فقد عمد ابن تومرت إلى تشجيع علم الأصول والخوض فيه وحذا حذوه باقي الخلفاء.
أما كتب الفروع فقد أحرقت معظمها مع عبد المؤمن ثمّ خليفته المنصور كمدونة سحنون وكتاب ابن يوسف و"التهذيب" للبراذعي، ثم أمر من كان عنده من العلماء والمحدثين بجمع الأحاديث من المصنفات العشرة على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت وكان يأخذ الناس بحفظها، وكان مقصده في ذلك" محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة" ، فكان نتاج ذلك أن ظهرت أسماء للفقهاء من أمثال عبد الله محمد بن أبي الحسن بن عبد السلام" ت589هـ)، ذلك " الشيخ الجليل المعمر".

واتسعت حينها العناية بتفسير القرآن فظهر أقطاب في علوم القرآن والتجويد مثل علي بن محمد الغافقي، "كان ثقة متحريا ضابطا، عارفا بالأسانيد والرجال والطرق، بقية صالحة وذخيرة نافعة".
يتبع ....

الحياة الثقافية في الاندلس-عصر المرابطين ج2- د/سامية جباري

    

   أمّا الدراسات اللّغوية فقد اتسعت في أيام المرابطين وظهر أقطاب اللّغة من أمثال: أبو عبد الله محمد بن مسعود بن خلصة بن أبي الخصال (ت540هـ) كان "متقدم اللّغة والآداب والكتابة والخطابة والشعر".
        ثم إنّ الصبغة الدينية التي تميزت بها الحركة المرابطية جعلت من أولوياتها تثبيت أركان الحكم الإسلامي في الأندلس بالجهاد المستمر، وغزو النصارى لإرساء قواعد دولة قوية مترامية الأطراف، لذلك لم يكتب للحركة الأدبية في عهد المرابطين أن تنعم بتشجيع كاف من أمراء الدولة مثل الذي شهدته في عهد أمراء الطوائف، إلاّ أنّ ذلك لا يعني عدم وجود مفكرين وأدباء، فقد احتل كتّاب الأندلس مكانة راقية وكان حظهم أوفى من حظّ غيرهم من الأدباء الأندلسيين لحاجة الدولة إليهم، ومن هؤلاء الكتّاب من كتب أو وزر لبعض ملوك الطوائف، كابن عبدون كاتب المتوكل بن الأفطس ثمّ لسير بن أبي بكر، ولعلي بن يوسف، ومنهم أبو بكر بن القصيرة أحد كتّاب المعتمد بن عبّاد ثمّ انتقل إلى بلاط المرابطين وكتب لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين.
        أمّا أنفس ما ألف في هذه الفترة فنحصره في :" المستخرجة" و"البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل العتبية " للقاضي ابن رشد، وكتاب "محاسن المجالس" لابن العريف أحمد بن محمد بن موسى، و"حلّ شكوك الأحوذي في شرح الترمذي" لمحمد بن عبد الله بن العربي، و"نزهة المشتاق" للإدريسي وغيرها..
        وإذا استعرضنا حالة الشعر في عهد المرابطين فيتمثل لدينا قول الدكتور إحسان عباس:" حتى إذا حلّ عصر المرابطين تراجعت منزلة الشاعر أكثر من ذي قبل وأصبح التصريح بكساد الشعر أشدّ وأوضح"، فقد وجد الشاعر نفسه محاصرا بين رجل السيف الذي هو من الملثمين أو فقيه وكاتب وهو عادة من الأندلسيين.
        إلاّ أن الشعر الذي كسدت سوقه هو شعر التكسّب الذي كثر في عهد أمراء الطوائف، ثمّ إن الشعراء مدحوا سلاطين المرابطين بعد يوسف بن تاشفين، كالأعمى التطيلي الذي قصر ديوانا برمته على أمير المسلمين علي بن يوسف بعد الحملة التي قادها على ألفونسو صاحب طليطلة، ومن أشهر الشعراء نجد: أبو طالب عبد الجبار المعروف بالمتنبي، "وهو أبرع أهل وقته أدبا وأعجبهم مذهبا وأكثرهم تفننا في العلوم وأوسعهم ذرعا في المنثور والمنظوم" من شعره:
        كيف البقاء ببيت لا أنيس به         ولا وطـاء ولا ماء ولا فـرش
        كأنّه كوّة في حائط ثقبـت            في ظلمة اللّيل يأوي جوفها حنش
        ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن خفاجة، "مالك أعنّة المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها الراسم لبرودها، من شعره:
      أما والتفات الرّوض عن أزرق النّهر       وإشراق جيد الغصن في حلّة الزهر
        ولم ألـق إلاّ صعدة فـوق أمة       فقلت قضيب قد أطلّ على نهـر
        كان إحراق كتاب "إحياء علوم الدين" دليلا واضحا على عدم اهتمام المرابطين بعلم الكلام والفلسفة، ويظهر ذلك جليا في قول المراكشي:" ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين بتقبيح علم الكلام وكراهة أهل السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين".
        وقد وقف علّي بن يوسف عند رأي الفقهاء فكتب إلى أهل المغرب والأندلس بأن يبحث عن نسخ الإحياء بحثا دقيقا، ويحرق ما عثر عليه منها، فجمع من نسخها عدد كثير ببلاد الأندلس، ووضعت بصحن جامع قرطبة وصبّ عليها الزيت ثمّ أوقد عليها بالنار، وكذا فعل بما ألقي من نسخها بمراكش، وتوالى الإحراق عليها في سائر بلاد المغرب. إلاّ أن ذلك لم يمنع من أن ينصرف نفر إلى الفلسفة كابن السيد البطليوسي، أمّا فيلسوف هذا العصر فابن ماجة.
        أما التاريخ، فقد اهتم به المرابطون فظهر عدد من المؤرخين كأبي بكر الصنهاجي الذي اهتم في كتابه" البيدق" بنشأة الدولة الموحدية، وحياة المهدي بن تومرت الذي توفي في عهد المرابطين فكان كتابه حجّة في تاريخ هذه الفترة.
        كما ألف القاضي عياض كتابه "ترتيب المدارك"الذي فصل فيه حياة أئمة مذهب مالك في عصره.
        وممن كتب عن تاريخ المغرب في هذه الفترة بصفة جزئية ابن بسام وابن بشكوال وهما من أدباء الأندلس ومؤرخيها، وكذا اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد لله بن اليسع الغافقي (ت575هـ) في تأليفه "المغرب في أخبار محاسن أهل المغرب".
        من البارزين في الجغرافيا الإدريسي صاحب" نزهة المشتاق" الذي كلّفه خمس عشرة سنة من البحث والـتأليف وقد ترجم إلى اللّغات اللاتينية.
        أمّا العلوم الرياضية والطبيعية فنبغ فيها نفر من العلماء من أمثال أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت وهو "من أكابر الفضلاء في صناعة الطبّ وفي غيرها من العلوم وله التصانيف المشهورة والمآثر المذكورة"، من تآليفه:" الرسالة المصرية" ذكر فيها ما رآه في ديار مصر من هيئتها وآثارها، ومن اجتمع بهم فيها من الأطباء والمنجمين والشعراء وغيرهم من أهل الأدب، وكتاب "الأدوية المفردة".
        كما شاركت المرأة في الحياة الفكرية إبّان العصر المرابطي فنبغت سيدات فاضلات كتميمة بنت يوسف بن تاشفين، فقد كانت راجحة العقل مشهورة بالأدب والكرم. ومنهن حواء بنت تاشفين، "كانت أديبة شاعرة جليلة ماهرة" تحضر المجالس الأدبية وتجتمع بالشعراء والكتّاب وتجادلهم.
        أمّا عن الفن المعماري، فقد اشتهر المرابطون ببناء المساجد والأسوار المنيعة حول المدن والقلاع الحصينة والقصور العظيمة، كان أول ما أنشأه المرابطون مدينة مراكش سنة 454هـ "التي تعد معسكرا حربيا ومقرا للقيادة اللّمتونية" ، ثمّ كان تسويرها سنة 520هـ حسب رواية صاحب الحلل الموشية على يد عليّ بن يوسف، وبنى جامعها ومنارها، وقد "أنفق في تسويرها سبعين ألف دينار من الذهب"، وكان ذلك بفتوى من ابن رشد القاضي الفقيه، عندما بدأ خطر الموحدين".
        ومن المساجد التي شيّدها المرابطون مسجد عليّ بن يوسف بمراكش، وقد "كلّفه بناؤه ستين ألف دينار مرابطية"، ومسجد تلمسان الذي بناه علي سنة 536هـ.
        والذي تجدر الإشارة إليه حول العمارة في عهد المرابطين أنهم اهتموا بعنصر القوة والمناعة قبل الفن والزخرفة، ومع ذلك فقد عدّ عصرهم عصر الفن الأندلسي المغربي لأنهم جمعوا بين الطابع المغربي في بناء الحصون والأسوار والقلاع إلى جانب الطابع الأندلسي المتمثل في الزخرفة.

        كما اعتنوا بإنشاء بعض الحدائق الجميلة واتسعت في عهدهم الصلات التجارية بين المغرب والأندلس، ثمّ بين المغرب والسودان، فازدهرت زراعة قصب السكر في ناحية السوس ولعبت أغمات دورا تجاريا هاما في نقل النحاس وثياب الصوف وصنوف الأصداف والأحجار الكريمة والعطور.

الخميس، 2 أكتوبر 2014

يا عاذلي..؟؟ د/سامية جباري

يا عاذلي...؟؟؟
دقّت الحروف باب خاطرتي في طلل عقيم
فسالت العبرات جوى من فرح أليم...
وجدت بتلاوتها فوق الثرى لتسمع كل أنيم
مالت بي الدنيا لأنثر الورد فوق دمَن سقيم
فطرقت باب الوفاء فما وجدت القلب الفهيم
ورحت أجهر واخفي من الصبر هياما كظيم
على مدخل بابي هزّني طيف النسيم
لاح الغروب فجادت حروف قلمي المبين
فصيّرت الانامل حبرا يخطّ على رمل كليم
ليجعل من الوشاح الأسود علي نعيم
شجن شدّني، طوّقني لأخطّ كلاما عميم
في روضة الجراح تسقى القلوب ماء الحميم
وانا يا عاذلي في سحر الهوى متمرّس غريم
د/سامية جباري

أحقا عدت يا عيد؟؟؟ د/سامية جباري

أحقا عدت يا عيد...؟؟؟؟؟ ***والهمس فيك لم يعد فيه تجديد..
تسابيحي تنحت الوصل ***والبوح في أيامك أضحى بعيد..
ذكّرتني بعيد مضى أسفا***تاهت من شفاهي الزغاريد..
سقيتني مدام البين ثمل أنا***بكميث صهباء وطيفك مفقود..
تراني أجالس النجوم أحاكيها***فتمطر السماء أشجانا وتزيد..
وتنظرني هناك أنحت من ***ماء البحر رسمك فتميد...
وأذكر بها ليلة صمّاء نغني*** فيها لحن الفراق والتغاريد..
كأني بك مغرم باغتيال محبّ*** فصار الشوق منك لونه تهديد
ما كنت أحسبك ترميني سوط الهجر**بعدما لملمتنا ظلال جبل لا تحيد
أمسح على وجنتيك من الهيام***وخنجرك تغرسه ظهري وتتلوه نشيد
ضلّت حروفك طريقها أجل*** ولم تعد تعزف الناي على أوتاري سعيد
أحقا عدت؟؟ فبأي حال عدت ياعيد؟؟؟
خيّم الصمت يحفر جدران بيتي***بمخالب تنهش بقايا وعيدي
فنطق صغيري يبكيني أماه***أين كسوتي؟؟ أين بشائر عيدي؟؟
أين الذبيحة تراقصني تطربني***قبل الذكاة تغمغم لي ذاك ما أريد؟؟
دوّى الرعد لحنا تعزفه غيومي***فأرسلت زخّات دمعي أحصيها وأعيد
ورحت أنسج من سجادتي طريقا*** الى الله أشكوه وهو الشهيد
أجدني رافعا يدي مبتهلا خاضعا*** رضاك ربي فبلقياك اكون سعيد.
د/سامية جباري

الأربعاء، 1 أكتوبر 2014

الحياة الثقافية في الاندلس-عصر المرابطين- ج1.د/سامية جباري

تعتبرالحياة الفكرية في عصر المرابطين مزيجا بين ما خلفه ملوك الطوائف من علوم وفنون وآداب وما حققه المرابطون أنفسهم، فكان هذا التداخل الفكري واضحا في العهد المرابطي، حيث نجد أكبر العلماء ورجال الفكر من أمثال ابن باجة وابن عبدون وغيرهما عاشوا المرحلتين من الحكم الإسلامي في الأندلس، وبتوحيد المغرب والأندلس أصبحت حاضرة مراكش تشبه حاضرة بني العباس في كثرة توافد أهل العلم والفن، إذ يقول المراكشي:" وانقطع إلى أمير المسلمين من كل علم فحوله واجتمع    له ولابنه من بعده من أعيان الكتّاب وفرسان البلاغة، ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار".
        وقد كان لاحتكاك الأندلسيين بالمغاربة أن ازدهرت المعارف، ونشطت الحركة العلمية وضمّ بلاط المرابطين أعلاما تزخر بهم المصادر، فأصبحت بذلك المدن المغربية تعجّ بطلاب العلم والعلماء، "وصارت المساجد والمجالس وغيرها تشهد المنافسات الفقهية واللّغوية والأدبية"، ويعد عصر المرابطين "عصر فقهاء أكثر منه عصر أدباء وفلاسفة".
        وقد رأينا كيف أصبح للفقهاء مكانة مرموقة في بلاط المرابطين والذي تجدر الإشارة إليه أنه" لم يكن يقرب به أمير المسلمين أو يحظى عنده إلاّ من علم الفروع أعني فروع مذهب مالك"، ذلك أن مؤسس دولة المرابطين عبد الله بن ياسين درس على المالكية ، فلا غرابة أن يتشبع ملوك المرابطين بتعاليم المذهب المالكي، فخاضوا في الفروع حيث لا سبيل للاجتهاد أو الاستنباط، واكتفوا بالتسليم به دون معارضة، وكان من نتائج ذلك"أن ألغي علم أصول الفقه".
        فتجردت الدراسة من روح الكشف وانصرفوا عن النظر والاجتهاد، وهذا ما أشار إليه المراكشي في قوله:"حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله" وهم لم يكتفوا بذلك فقط بل عمدوا إلى حرق كتب أبي حامد الغزالي" إحياء علوم الدين" سنة 503هـ لما يحتويه من "إحياء للدراسات الأصولية وفضح لنزعة الفقهاء وحرصهم على الدنيا وطمعهم في الحصول على المناصب الرفيعة".
فكان" يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه".
        ويرجع ابن القطان زوال ملك المرابطين واندثار سلكهم إلى إحراقهم لهذا الكتاب العظيم الذي ما ألف مثله.
        من أشهر فقهاء هذه الفترة محمد بن أحمد بن رشد (ت520هـ) "كان فقيها عالما حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره"، من تواليفه:" البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل".
        ومنهم محمد بن علي المازري (ت536هـ) "الفقيه المالكي المحدث، أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه"، من كتبه:" المعلم بفوائد كتاب مسلم" وشرح كتاب" التقين" في عشرة أسفار، وهو من أنفس الكتب.
        ومنهم أبو بكر بن العربي (ت543هـ) "فقيه حافظ متفنن أصولي محدث مشهور، أديب رائق الشعر" ، من كتبه:" أحكام القرآن" في ستة أسفار.


        وتجدر بنا الإشارة في هذا المقام إلى أنه كان لكتاب الإحياء فضل كبير في تقريب الشقة بين التصوف والفقه في المغرب والأندلس، رغم اضطهاد الفقهاء له، فقد ظهر في عصر المرابطين أقطاب المتصوفة الأولين بالمغرب من أمثال أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي "الإمام الزاهد العارف".
اما الدراسات اللغوية والعلمية نتناولها في الاجزاء اللاحقة